إشاعات.. شكاوى.. صمت
مانع اليامي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
قدر بعض المدن أن تكون مهبطا للإشاعات، وقدر بعضها أن تكون صالة عرض مفتوحة للشكاوى وما أسوأ أن تتحول المدينة – أي مدينة إلى حاضن أو راع للعلتين أو أي منهما، والسوء الأكثر والقلق الأكبر في السكوت عن الأسباب التي تحرك أيا منهما وتدفع بها لمواقع التواصل الاجتماعي التي تعج هذه الأيام بما لا لذة فيه ولا طِيب ولا تباشير خير إلا فيما قل وندر.
مسألتان مثيرتان للاهتمام ولأي منهما أن تشكل على هامش التداول النشط والحراك العام المتصل بها عديدا من الأسئلة التي لا يمكن لها أن تبنى أو تصاغ دون النظر إلى ارتفاع سقف تفاعل العامة واهتمامهم بالتفاصيل والاشتراك الحي في تفسير الحالات كل على رغبته وهواه.
انتشار الإشاعات وارتفاع وتيرة الشكوى في منافذ الإعلام المفتوح، تقدم لوجود خلل، والمسألتان في صفة التزاوج أو الانفصال نشأة وانتشارا من بواعث الريبة وموجبات اليقظة.
معلومات غريبة متنوعة تغطي عديدا من مناحي شؤون الحياة، يحسبها العاقل في إطار حسن النية إشاعات، غير أن الحكمة والفطنة وحسن تقدير الأمور لا تتوافر كل حين ولا تلازم كل الناس. «شكاوى» ملفتة للنظر وتميل بحسب المعروض منها إلى ما يوحي بالدقة في تفاصيلها، لها نفس حزين وفيها نبرة تضايق وألم، ولبعضها بحكم المضمون أهلية الدخول في منظومة العوامل المخلة بسير الأمور على خير ما يرام، وللبعض منها من ناحية أخرى أن يكون عنوانا عريضا للمظلومية وأداة لطلب النجدة.
أيا كانت القراءات وكيفما كانت التحليلات، يظل من الثابت والمؤكد أنه ليس من حسن طالع أي مكان أن يكون مرتعا خصبا للإشاعات وليس من حسن حظ أي مجتمع أن يكون عنوانا عريضا للشكاوى وأسيرا للتذمر، لأن في ذلك من المخاطر ما يهدد المصلحة العامة والاستقرار. ومن هنا يتعاظم الانزعاج والقلق لأن في المسألة ما يحفز على فوضى الكلام وتدويره بعلاته التي لا يستبعد أن تسحب الكلمة من مقاصدها الطبيعية وتضعها عارية تحت نظر البعيد والقريب بفضل الدعم التكنلوجي الطاغي، ولا شك في أن المتربصين بالأوطان يفرحون دائما بتوسع الإشاعات وانتشارها كما يرحبون بتعاظم الشكاوى ونموها في أي بلد أو شعب تستهدفه أحقادهم، وقد جرت العادة أن لكل معلومة في حساباتهم أن تأخذ نصيبها المستحق من الزيادة في الحجم والتغيير في المقاسات لملائمة نزعاتهم لزوم تصدير المبالغات الساذجة كقرائن لتشويه الصورة العامة في ذهنية الرأي على أي مستوى وفي الأمر تباعا ما هو أسوأ من حيث استغلال الفرص واللعب بأوراقها لتشويه صورة الواقع.
وفي الساق تبقى الإشارة إلى أن تجريد كل الشكاوى من الصحة غير وارد من حيث المنطق، لكنه من المتوقع أن تضيع الصحيحة وتخطئ طريقها في خضم هذا السيل الجارف من الشكاوى المثيرة للغرابة، غير أن المهم هو لماذا كل هذه الشكاوى أصلا حتى وإن أخطأت طريقها وفقدت ثقافتها وقانونيتها؟ هل كثرة الاختناقات الإجرائية أو التجاهل وخيبة الأمل في الحلول حولت مجراها إلى الممرات الغلط وأباحت الاطلاع عليها من كل صوب؟. إذا كان في الأمر غير ذلك من الاحتمالات فما هو إذن؟
انتشار الإشاعات وتمدد الشكاوى «قضية» تقدم لوجود خلل ما كما أسلفت، وأخشى ما يخشاه العاقل أن يتوسع الخلل، وهذه القضية من أدوات قياس نبض الشارع والتعرف على أرصفته ومعالمه لمن أراد، ومن الصحيح أن الصمت في وجهها لا يشكل العلاج الناجح لتخفيف سخونتها أو تلاشيها بقدر ما يساهم في رفع وتيرة تحركها في الأمكنة الخطأ، ومن أصح الصحيح أنه «لا يوجد دخان بدون نار».
