كان التعريف القديم للبنك: «مؤسسة تعمل كوسيط مالي بين مجموعتين رئيسيتين من العملاء، المجموعة الأولى لديها فائض من الأموال وتحتاج إلى الحفاظ عليه وتنميته، والمجموعة الثانية هي مجموعة من العملاء تحتاج إلى أموال لأغراض منها: الاستثمار أو التشغيل أو كلاهما»، وربما ينظر إلى البنك على اعتبار أنه «منظمة تتبادل المنافع المالية مع مجموعات من العملاء بما لا يتعارض مع مصلحة المجتمع وبما يتماشى مع التغير المستمر في البيئة المصرفية».
أما التعريف الحديث للبنك: «وسيط مالي يقوم بقبول ودائع تدفع عند الطلب، أو لآجال محددة ويزاول عمليات التمويل الداخلي والخارجي وخدمته بما يحقق أهداف خطة التنمية وسياسة الدولة ودعم الاقتصاد القومي، ويباشر عمليات تنمية الادخار والاستثمار المالي في الداخل والخارج بما في ذلك المساهمة في إنشاء المشروعات، وما يتطلب من عمليات مصرفية وتجارية ومالية».
والناظر لواقعنا يجد بنوكنا تتفنن وتبدع في بعض الإجراءات التي من شأنها التنكيل بالعميل، وتعطيل مصالحه، ولذا تجد أرتالا من العملاء ينتظرون، في مشهد حزين، لا يمت للتحضر بصلة، بل تجد بنوكا تجبر العميل على مراجعتها، ولا يسرّها أن يجري معاملاته الكترونيا، وباتت عبارة «راجع الفرع» تطرق المسامع في إجراء يرمز للتخلف عن الركب، وعدم مواكبة العصر، مع أن العميل يفترض أنه الداعم الرئيسي للبنك، لكنك تجده يضطر لأخذ رقم والانتظار لمدة ربما تستغرق ساعة أو ساعات!
والمفترض أن مؤسسة النقد تعتبر الجهة الإشرافية والرقابية على البنوك، فتقوم بإصدار التعليمات واللوائح المنظمة لعمل جميع المؤسسات المالية، لتكفل حماية حقوق العملاء. ليبرز السؤال الأهم: هل حققت المؤسسة ذلك فعلا؟
لقد فوجئت من خلال تصفحي موقع المؤسسة بتلميع نظام «سمة»، ولمن لا يعرفها فهي الشركة السعودية للمعلومات الائتمانية، تقوم بجمع وتزويد كافة البنوك المحلية والشركات ذات العلاقة بمختلف المعلومات الائتمانية. مملوكة من قبل البنوك المحلية، بإشراف المؤسسة، بهدف توفير المعلومات الائتمانية للأعضاء، ومحل الدهشة احتفاء المؤسسة بمرور عشر سنوات على هذا النظام، في حين أنه ليس ذا فاعلية.
فقد عاينت قضية في هذا الأسبوع لقريب لي، وقد استدان العديد من السيارات، دون أن يوقفه نظام «سمة»، فلماذا لا تكون المؤسسة واقعية، وتقر بالقصور في «سمة» وتعترف بعدم فاعلية هذا النظام؟
وإن تعجب فإن من العجب أنه لا يوجد أيقونة للشركة في موقع المؤسسة، مع أنها تحت إشرافها!.
وبالعودة لقضية هذا الأسبوع فقد عايشت موقفا عجيبا؛ تمثّل في طلب ما يعرف قديما بـ(المهر)، وأجزم يقينا أن كثيرا من أبناء الجيل الحالي لا يعرفون معنى هذه الكلمة، فهي من القدم بمكان، وتعني نقشا على خاتم أو غيره يحمل اسم الشخص، وهو ما يشبه في يومنا هذا «الختم»، وقد وجدت لها أصلا في اللغة من قولهم: مَهَرَ الرِّسَالَةَ أي: بَصَمَهَا بِالخَاتَمِ!
ولك أن تتصور عزيزي القارئ أننا نتراجع للوراء بهذا الشكل المخيف، في حين أن العالم بات يستخدم البصمة، بل وصل إلى التعريف من خلال قرنية العين، ونحن ما زلنا نستخدم المهر أو الختم، ويتبع ذلك بطبيعة الحال ما يعرف بالإستامب (الدمغة) وهو ما يعرف عند العامة بـ «الاستمبة»، وفي مظهر مشين ترى الناس يحتارون في كيفية تنظيف أياديهم.
لم أكد أصدق ما سمعت، ليفاجئني موظف البنك بأن ذلك نظام مؤسسة النقد، فاتصلت مباشرة ببعض المسؤولين في المؤسسة، لتكون النتيجة مخيبة للآمال، وأن ذلك بالفعل مفروض من قبلها وبعلمها!
ولا أعلم كيف تقر المؤسسة نظاما كهذا؛ فالعالم يتقدم ونحن نتقهقر، فبدلا من فرض البصمة أو التعريف بقرنية العين نفرض المهر أو الختم، حاولت جاهدا معرفة السبب، بلا جدوى. ورجعت لموقع المؤسسة لعلي أجد بغيتي، ولكن خرجت خالي الوفاض.
وهاتفت رئيس لجنة الإعلام والتوعية المصرفية بالمصارف السعودية الأستاذ طلعت حافظ، لأستفسر عن مثل هذا الإجراء، ووعد ببحث موضوع الختم، وبعدها أكد لي أن ذلك - مع الأسف - هو الإجراء الفعلي المفروض في الوقت الحالي، في ظل عدم استخدام البنوك للأجهزة الحديثة!.
وهنا أطالب مؤسسة النقد بأن تفرض على البنوك توفير هذه الأجهزة، وهي في متناول اليد، ولن تكلفها كثيرا، بالنظر إلى الأرباح الطائلة التي تحققها، وحينها يكون الوضع مقبولا وحضاريا، فهل تفعل؟