وقتها كانت تروي عطش القوافل من كل حدب وصوب، ومثلت منتدى ثقافيا، وتجمعا اقتصاديا، ومقرا للمحاكمات، وأكبر وكالة أنباء في المنطقة لتداول الأخبار والمعلومات، بئر الخضراء، كانت أكثر من مجرد بئر تروي ظمأ العطشى بنجران، لتكون سقيا للمارين والعابرين.
وكانت صفوف جمال جميع قبائل نجران ترتوي منها، علامة مضيئة كونت قاعدة النظام في زمن لم يكن النظام حاضرا فيه، عايشت الجهل والفقر والعوز، عايشت ثقافة أنا الأقوى، بئر الخضراء التي خدمت أهالي نجران منذ 170 عاما، وتوالت عليها الأجيال القديمة، كونت قاعدة احترام الوقت، كان الناس يقصدونها للارتواء من شدة الظمأ، كانت عنوانا ثابتا للقاء الوفود والاجتماعات للصلح القبلي، كانت حاضرة بمجالس نجران سابقا وحاضرا.
البئر احتضنت بعذوبة مائها مئات الناس لتكون المكان الأصيل العذب لجميع فئات المجتمع، لم يغب عنها زعيم قوم، ولا فقير ولا طالب أو مطلوب، يتذكر المسن حمد فارس آل حشان هذه البئر، فيقول: «إنها عبق التاريخ ورائحة الجمال وعنفوان الشباب، الالتقاء بالصديق والقريب والشعار كان شعارها، إنه زمن لا ينسى، ويحتاج لمجلدات لسرد عوامل هذه البئر التاريخية، كانت محل سقيا، تحتضن المقبلين من أرض اليمن والخليج، والعرب من غرب الجزيرة».
رصدها الباحث فليبي عندما قال «وصلنا بئر الخضراء، وعلى امتداد سفح خصيب يعبر بين تلال نويدرة ورويكبة إلى الصحراء، هذه البئر التاريخية أصبحت اليوم فعلا ماضيا، قسى عليها التاريخ، فتحولت إلى مجسم دائري مغطى بغطاء دائري مكون من خشب وبعض أدوات متنوعة، ولم تجد الاهتمام أو حتى السرد التوضيحي لحالها التاريخي».