في قلب العاصمة الليبية، كان سوق السمك مكانا يذهب إليه المواطنون لشراء كل شيء من الأسماك واللحوم إلى الملابس وحتى الحيوانات الأليفة. الآن، أصبح أكبر سوق للسلاح في طرابلس، حيث تعرض المسدسات والبنادق على طاولات. فقط، أطلب من البائع، ليسحب أسلحة آلية أكبر ويبيعها بآلاف الدولارات. ملايين الأسلحة تنتشر دون سيطرة حكومية على تجارتها في ليبيا، التي تتمتع فيها مئات الميليشيات بنفوذ كبير، وسط عجز تام تقريبا من قبل الحكومة المركزية.

حوادث مخزية

تغذي هذه الأسلحة المتاحة للجميع، ليس فقط الاضطرابات في ليبيا، لكنها تذكي أيضا الصراعات في المنطقة، حيث يتم تهريبها من حدود البلاد الواسعة والمفتوحة إلى المسلحين والمتشددين الذين يخوضون حروبا وصراعات تمتد من سوريا إلى غرب أفريقيا.
في بعض الأحيان، يثير غياب الرقابة وفقدان السيطرة ذهول الكثيرين.
فالشهر الماضي، سرق مقاتلو إحدى الميليشيات طائرة محملة بالأسلحة كانت قادمة من روسيا إلى الجيش الليبي، عندما توقفت للتزود بالوقود في مطار طرابلس الدولي، وهي في طريقها إلى قاعدة عسكرية جنوبي البلاد.
حاصر مقاتلون الطائرة وهي على المدرج، ونهبوا شحنة أسلحة آلية وذخيرة، حسبما أفاد هاشم بشير، وهو مسؤول بجهة أمنية تابعة لوزارة الداخلية في طرابلس.
وفي مهانة أخرى، عينت الحكومة رسميا مقاتلين ينتمون إلى إحدى الميليشيات، لتأمين المطار، لأن القوة النظامية أضعف من أن تقوم بهذه المهمة.
وقبل أسابيع قليلة، استولت ميليشيا أخرى على شحنة أسلحة، هبطت في مطار معيتيقة بطرابلس، والتي كانت متجهة إلى الكتيبة الأولى التابعة للجيش، بحسب بشير.
وكان من بين الأسلحة مدافع مضادة للطائرات، والتي كانت متفشية وسط الميليشيات، والتي عادة ما تثبت على الجزء الخلفي من شاحنات صغيرة.

فوضى السلاح

فوضى السلاح، أثارت قلق أوروبا، القريبة من ليبيا والتي لا يفصلها عنها سوى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك الولايات المتحدة.
وفي مؤتمر عقد بروما هذا الشهر، ضغط دبلوماسيون غربيون وعرب، لاسيما وزير الخارجية الأمريكية جون كيري، على المسؤولين الليبيين، من أجل التوصل إلى بعض التوافق السياسي، بما يسمح للمجتمع الدولي بمساعدة الحكومة على جمع الأسلحة، وإعادة بناء الجيش والشرطة.
وتكمن المشكلة في أن أوروبا والولايات المتحدة، لا يعرفون ببساطة الطرف الذي يمكن التحدث إليه في ليبيا، حسبما قال دبلوماسي غربي في طرابلس.
وأضاف المسؤول "المشكلة فيما إذا كانت قادرة على تلقي المساعدة"، في إشارة إلى الحكومة الليبية.
وتحدث المسؤول شريطة التكتم على هويته لأنه يتطرق إلى المناقشات داخل المؤتمر.
وفي هذا الصدد، أشار المسؤول الغربي إلى جهود دولية لبناء مستودعات لجمع الأسلحة من بلدة غريان الواقعة غربي ليبيا، لكن هذا المشروع تعثر لعدم القدرة على تحديد "من هو المسؤول أو الجهة التي سنتعاون معها".

4 عقود ديكتاتورية

اثنان وأربعون عاما من حكم الدكتاتور الليبي معمر القذافي، تركت البلاد دون مؤسسات سياسية صلبة وقوية.
ومنذ سقوطه، ومقتله في الحرب الأهلية التي اندلعت في 2011، تصاعدت حالة الفوضى.
وتحولت كتائب الثوار التي تشكلت لمواجهته إلى ميليشيات قوية، تعتمد معظمها على القبيلة أو المنطقة أو المدينة وحتى الحي، والتي غالبا ما تخوض معارك ضد بعضها بعضا، من أجل السيطرة وفرض النفوذ.
يشار إلى أن بعض هذه الميليشيات تستلهم فكر تنظيم القاعدة أو توجهات إسلامية متشددة.
وتتفوق هذه الميلشيات في القوة والعتاد على قوات الجيش والشرطة، التي تفككت ودمرت إلى حد كبير خلال الحرب الأهلية.
وتضطر الحكومة إلى استئجار الميليشيات للقيام بمهام أمنية في المطارات والموانئ والمستشفيات والمباني الحكومية.
غير أن إحدى الميليشيات التي كلفتها الحكومة بحماية المنشآت النفطية، استولت عليها العام الماضي، وطالبت بمزيد من الحكم الذاتي في المنطقة الواقعة شرقي ليبيا.
ومنذ ذلك الحين، توقفت صناعة النفط الحيوية.
السياسيون الليبيون أنفسهم منقسمون بشدة بين الإسلاميين أو المناهضين لهم، وكلهم مدعومون من قبل ميليشيات متنافسة، مما حول المشهد السياسي إلى صراع مسلح.
فعلى سبيل المثال، حاصرت ميليشيات مسلحة البرلمان، لإجباره على تمرير قوانين بعينها، فضلا عن أنها خطفت في وقت سابق رئيس الوزراء لفترة وجيزة.
وفيما يعكس هذه الانقسامات؛ أرسلت ليبيا وفدين منفصلين للمشاركة في مؤتمر روما، أحدهما بقيادة رئيس الوزراء آنذاك علي زيدان، والثاني بقيادة منافسه الإسلامي، نوري أبو سهمين، رئيس البرلمان.
وبعيد انتهاء المؤتمر، نجح نواب بقيادة إسلاميين في الإطاحة بزيدان في تصويت لحجب الثقة.
وقال عدد من المسؤولين إن الحكومة لا تعرف حجم الأسلحة الموجودة في ليبيا، التي يبلغ عدد سكانها ستة ملايين نسمة.

15 مليون قطعة سلاح

صالح جويدة، النائب في لجنة الأمن القومي بالبرلمان، بدوره قال إن كافة الأرقام التي تعلن مجرد تكهنات، لكن التقديرات الأكثر معقولية تشير إلى أن عدد الأسلحة تتراوح بين 10 ملايين و15 مليون قطعة سلاح خفيف، لكن لا يوجد أي حصر للأسلحة الأثقل أو الدروع.
وتأتي معظم الأسلحة من ترسانات الجيش في عهد القذافي والمنشآت الشرطية، التي تم نهبها خلال الحرب الأهلية، بعد انهيار حكمه.
والمصدر الثاني هو الكميات الكبيرة من الأسلحة التي أرسلت إلى الثوار، إلى حد كبير من قبل دول خليجية، خلال الانتفاضة التي استمرت ثمانية أشهر.
استوعبت مئات الميليشيات في مختلف أنحاء البلاد، كثيرا من هذه الأسلحة، ولا تعرف أية جماعة مسلحة حجم تسليح الجماعات الأخرى، ما خلق مناخا من "الخوف المتبادل"، حسبما أفاد بشير.
هناك أيضا سوق داخلية قوية للأسلحة، من أجل الحماية الشخصية.
كل أسرة تقريبا، لديها سلاح واحد على الأقل.
ويعد سوق السمك، أحد المصادر الرئيسة للسلاح في طرابلس- والتي توجد على بعد خطوات فقط من القلعة الحمراء التاريخية في العاصمة، والتي ألقى القذافي كلمة منها خلال انتفاضة 2011، حيث هدد بفتح ترسانة أسلحته إلى العامة، وتحويل ليبيا إلى "حرب حمراء".

التهريب لـ14 دولة

تهريب الأسلحة إلى الخارج، أصبح أيضا تجارة رائجة وكبيرة، حيث يقول عبد الباسط هارون، وهو مسؤول استخباراتي سابق، إن القبائل والميليشيات التي تسيطر على الحدود الشرقية والغربية والجنوبية، متورطة في عمليات تهريب.
وأفاد تقرير من 97 صحفة أصدرته لجنة خبراء بالأمم المتحدة في مارس الحالي بأنه أمكن العثور على أسلحة ليبية في 14 دولة، وغالبا ما تصل إلى الجماعات المتشددة.
وأضاف التقرير أن معظم الأسلحة المهربة، من ترسانات الميليشيات الليبية.
ووصل ما يعرف بمنظومات الدفاع الجوي المحمولة، إلى أربعة مناطق صراع، لاسيما تشاد ومالي.
في السياق ذاته، قال التقرير "المخاوف من امتلاك الجماعات الإرهابية لهذه الأسلحة تحققت بالفعل".
فقد أسقطت منظومة دفاع جوي محمولة، قادمة من ليبيا مروحية عسكرية مصرية في شبه جزيرة سيناء، بحسب التقرير.
كما عثر على أسلحة ليبية في الصومال، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وأجزاء من نيجيريا، حيث تنشط جماعة بوكو حرام، حسبما أفاد التقرير.
وفي النيجر، كانت الأسلحة المستخدمة في أول هجوم انتحاري في مايو الماضي، من نفس ترسانة الأسلحة الليبية، والتي يبدو أنها هربت عبر مالي.
سوريا أيضا، من الوجهات الرئيسة للأسلحة الليبية المهربة.
فقد أفاد التقرير أن محققين خلصوا إلى أن قطر تستخدم رحلات جوية، من أجل نقل الأسلحة من ليبيا إلى تركيا، قبل تمريرها إلى مقاتلي المعارضة في سوريا.
ولفت التقرير إلى أن أسلحة روسية الصنع- كان نظام القذافي قد حصل عليها عام 2000- وصلت في النهاية إلى أيدي مقاتلين إسلاميين في سوريا.
وكتب بريان كاتوليس، أحد معدي التقرير، وهو زميل رفيع لمركز التقدم الأمريكي، يقول "حقيقة، ليبيا تصدر الفوضى إلى الدول المحيطة".
وما تزال جهود ليبيا للسيطرة على تهريب الأسلحة تراوح مكانها.
وتقول ميليشيات إنها لا تستطيع تسليم أسلحتها، قبل وجود قوات جيش وشرطة قادرة على حفظ الأمن في البلاد، على الرغم من أنه لا يمكن إعادة بناء قوات نظامية في ظل النفوذ الكبير للميليشيات.
وفي ظل برنامج نزع الأسلحة والتسريح وإعادة الإدماج، تم تسجيل نحو 160 ألفا من عناصر الميليشيات في هيئة شؤون المحاربين في وزارة الداخلية.
وسلمت نسبة صغيرة منهم أسلحتها، لكن معظمهم كلفوا بمهام أمنية مختلفة لمواجهة الميليشيات تحت رعاية الدولة.
زهير العقيلي، مسؤول الاتصال بوكالة شؤون المحاربين الليبية، من جانبه رأى أنه لا توجد أية آلية للتعامل مع تدفق الأسلحة.
وأضاف "الدولة عاجزة عن جمع الأسلحة ".
ومتفقا معه، قال عبدالرحمن العقيلي، وهو منسق أمني في مكتب رئيس الوزراء الليبي، إن الحكومة "غرقت تماما" مشيرا إلى أن السلطات لم تبد أية رؤية ملموسة، فيما يتعلق بالتسريح ونزع أسلحة الميليشيات.

انقسام حكومي

السلطات ذاتها، منقسمة بشأن كيفية التعامل مع الميليشيات.
البعض يرى أنها الأمل الوحيد لتوفير الأمن خلال السنوات القليلة المقبلة، حتى تتم إعادة بناء أجهزة أمنية، في حين يرى آخرون أنه يتعين نزع أسلحة الجماعات المسلحة لتحقيق الاستقرار، حسبما كتب عبدالرحمن العقيلي في عرض على الانترنت لمركز حوكمة الأمن، الذي يتخذ من كندا مقرا له.
المشكلة تتلخص في أنه ليست هناك حوافز لكي يدع شباب الميليشيات أسلحتهم، التي تعد المصدر الوحيد للأمن "والقدرة على المساومة وجها لوجه مع النظام السياسي الجديد".
وفي هذا السياق، يقول العقيلي "إذا تخلوا عن أسلحتهم، فإنهم سيسلمون السلطة لقوات الجيش والشرطة، التي لا يثقون بها، دون أية ضمانات للإصلاح".
وفي النهاية يقول "نزع الأسلحة في أي سياق ليس قضية حد من أسلحة، لكنه عقد اجتماعي بين الشعب وحكومته".