خريطة الطريق غريبة، الخلف يسعى إلى مسح آثار السلف، والسلف يتجهم متناسيا أنه قد سعى يوما إلى محو سجل السلف، الذي غادر المكان نفسه بعد أن بعثر في الممرات هو الآخر ملفات من سبقه، وفي كل حالة يسجل صمت الرقيب تماديه في تشكيل العلامة الفارقة تخاذلا على امتداد الطريق اللا منتهي.
عموما تطل الأسئلة برؤوسها من كل حدب وصوب، وفي يد كل سؤال حزمة من «لماذا وأخواتها». خلاصة ما تقدم تشير إلى أن المسألة لم تعد تحتمل الترحيل إلى قبة المقولة البراقة - خير خلف لخير سلف -، المقولة التي تضحك بها كل مرحلة على نفسها، وقد أصبح من النادر تحقيقها على الأرض كما هي مقولة مأثورة ذات حضور في عالم الإدارة إذا أردنا حصر الاستعمال والإسقاط في هذا الجانب.
من غير إسهاب في المقدمة، وقد أختصر جلها رغم أنف علامات الاستفهام المتناثرة حولها، أقول لربما إن في العبارات الفائتة غموضا يكتسي بالخبث، كما يظهر لأصحاب مشاريع تفتيش النوايا، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد ما يدعو إلى الفتنة، ومن الصحيح أن من الغموض المحبوك ما قد يجر النفع العام، وفي كل الأحوال يبقى لكل امرئ ما نوى.
السؤال المفروض بسخونة التوقعات هو: ما فائدة التغيير لمجرد التغيير دون إحداث عائد على المصلحة العامة، أو فرض التحسين على وضع معتل، أو معالجة خلل قائم؟ ما فائدة التغيير وهو عملية مصنوعة في مطابخ خاصة، لأغراض يجوز وصفها بأكثر من صفة، طالما أنه لا يخرج مستندا على دراسة ومعطيات؟ ما الفائدة المرجوة منه، أي التغيير، وهو لا يقوم على استشراف المستقبل؟ ما نتائجه المتوقعة وهو في الشكل لا يعبر بما هو أكثر من محاولة لإثبات الوجود، بالمجازفة على ذمة ما تقدمه بعض الجهات الداخلية في موقع العمل؟ طبعا لا توجد فائدة، والصحيح أن المسألة موضوعيا تتحول إلى مائدة يلتف حولها عدد من علامات الاستفهام والتعجب وخيبات الأمل في الغالب الأعم.
يخطئ من يظن أن الرأي العام ما زال غير قادر على سبر قرارات التغيير وتفكيكها أينما حدثت.
الجمهور اليوم يرى الأمور من دون نظارة ملونة، ولديه قدرة واسعة في التحليل، والمسؤول المستسلم لأهواء البطانة وأصحاب المصالح الضيقة ولا يحسب للرأي العام حسابا يتغافل على المرحلة ويخادع نفسه وسيسقط غير مأسوف عليه.
الجمهور اليوم يتوق إلى المسؤول الفطن المستقل الذي «يقدح من راسه»، كما يقول المثل الشعبي الدارج، لا المسؤول المتحرك وفق ركلات الآخرين. هذه هي الحقيقة التي يجب أن يدركها أهل الشأن، إن هم رغبوا في تسجيل أنفسهم في دفاتر التاريخ عبر قرارات تقدم دروسا إدارية يؤخذ بها في ميادين الإصلاح، ومواقف تخلف وراءها تجارب يقتدى بها في التطوير والتحسين وتحقيق العدالة.. هنا يكون للتغيير نكهة مختلفة.. وبكم يتجدد اللقاء.

