أمست قضية الأديب سعيد السريحي قضية رأي عام بعد أن انطلقت شرارتها من موقع التواصل الاجتماعي ذي الطائر الأزرق «تويتر» بعد ثمانية وعشرين عاما من سلب شهادة الدكتوراه منه، لن أتوقف كثيرا عند (عذر) مدير جامعة أم القرى الأسبق الدكتور راشد الراجح، فتبريره يأتي على طريقة القصة البدوية التي تقول الحكاية إن أحد البدو أراد أن يستعير (رشا) وهو الحبل الذي يربط (بالدلو) لجذب الماء من البئر، فذهب لجاره كي يستعير (رشاه) وكان هذا الجار لا يطيق صاحبنا دون سبب منطقي، إنما (كذا من الله)، صاحبنا طلب الحبل من جاره، لكن الجار فاجأه بالقول: لا أستطيع أن أعيرك الحبل الآن، لأنني في هذا الوقت أضع عشائي عليه!، هنا بكل طيب نيّة تساءل صاحبنا عن علاقة الحبل بالعشاء؟، ليفاجأ برد الجار بكل صلافة: (عذر.. ما تفهم العذر)!.
المفاجأة بالنسبة لي ولجيلي أيضا كان صمت زملاء سعيد السريحي كل هذه السنوات، ففي الوسم الذي أنشأه الدكتور فهد اليحيا، تبين أن الكثير من الأكاديميين والأدباء والكتّاب الصحفيين الذين زاملوا السريحي يعرفون القصة كاملة، بل ويتفقون على أن ما تعرض له ظلم بيّن، وعندما أصبحت القضية قضية رأي عام أتوا ليذكرونا بالكلام الذي قالوه لنا في قاعات الجامعة بأن الثقافة علم وموقف، الدكتور فهد اليحيا الذي أنشأ (الهاشتاق) لم يكن – من حسن حظنا – محسوبا على الأكاديميين ولا المشغولين بالهم الثقافي والأدبي، أما من يُسمّون (ويَسمون - نسبة إلى التسمم) أنفسهم مثقفين فهم لهم في كل قضية رأي، بشرط أن تكون القضية آمنة ومحمودة العواقب، فهم كما اعترفوا كانوا صامتين عندما كان هنالك تيار قوي متغلغل في الأوساط الأكاديمية، والآن عندما أثار الدكتور اليحيا القضية وتفاجأ فيها الجيل الجديد، أتوا (زملاء المرحلة) يروون الحكاية بتفاصيلها الصغيرة، ومع ذلك يتباهون بلقب (مثقف)، رغم أن التجربة أثبتت أنهم مجرد (فلاش ميموري) مليء بالمعلومات، وأحيانا أشبه بالسيد (قوقل) الذي يعرف كل شيء ولكنه لا يفكر بشيء، تمنيت أن يكون لمثقف واحد فقط ممن عاصروا تلك المرحلة موقف واضح، سيما وهم أكثر المنظرين عن المواقف، وهم الذين لهم الآن مواقف مشهودة في تويتر، فبعد أن أقنعهم الشارع أن (وهم النخب) لم يعد موجودا، باتوا يرددون المقولة لكن أمام قارئ تجاوزهم، ولأنهم لم يعتادوا على اتخاذ موقف شجاع، لم يجدوا غير «البلوك» موقفا لكل متسائل عما أنجزوه خلال مسيرتهم الميمونة. سعيد السريحي القامة الشاهقة لم يكن بحاجة لمن يقف معه بالتأكيد، ولم يعد بحاجة للقب، لكنه سيبقى فارقا فارعا بموقفه البطولي، كان بإمكانه أن يعيد رسالته على المقاييس الأكاديمية المطلوبة، لكنه يدرك أن الثقافة مسؤولية، فاختار أن ينتصر لمبادئه، وها هو الآن ينظر للخسارة بأنها مجرد خسارة صغيرة مقابل انتصار عظيم لمبادئه، ولن أسأل رفاقه عن صمتهم كي لا تعود حكاية (عذر صاحب القصة البدوية)!
دكتوراه السريحي.. وصمت الرفاق!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
