«يتعمد كثيرون مسخ أنفسهم وحوشا، لكي يهربوا من ألم كونهم بشرا» (بن جونسون)
إنها الحيلة البشرية الأسوأ على الإطلاق، والأكثر شيوعا بين الناس؛ إذ يزعم الواحد منا لنفسه أن لديه مهمة مقدسة ترفعه عن مستوى العامة من الناس وتحرره من الالتزام الأخلاقي والسلوكي..
أنا موهوب وذكي، أو ربما ثري وقوي.. أنا مختلف عن الآخرين، أرقى منهم وأفضل وأشهر، ولذا يحق لي أن أتحلل من الضوابط العامة التي تحكم العلاقات بين البشر، لأنني فوق بشري!
ما الصدق والأمانة والعفة والرحمة والوداعة إلا أخلاقيات العوام، وأنا خير منهم، ولدي من المسؤوليات الجسام ما يبرر لي أن أكون كاذبا وسارقا وفاحشا وقاسيا ومتحجر القلب.. وقد يطال هذا الداء –في أخطر حالاته- نفوس المثقفين من طليعة الأمم ونخبتها، إذ يزين هذا الانحراف النفسي لبعض مثقفينا أنهم بقدراتهم العقلية الفائقة قد رفعوا أنفسهم فوق مستوانا نحن العاديين، وصار تعاليهم علينا حقا أصيلا من حقوقهم، كما أن فضيلة التواضع وخفض الجناح لم تعد تليق بهم، بعد أن تعرفوا على نيتشة وسمعوا بيتهوفن! أما المرعب حقا فهو الهروب بالدين من الأخلاق!
نعم، كثيرون منا يجعلون من تشددهم في أداء طقوس الدين وتبني شعاراته القشرية الشكلية مهربا لهم من إنسانيتهم، فتراهم يطلقون اللحى كثيفة مرفرفة، ويقصرون الأثواب، ويرابطون في المساجد مرابطة المقيم، ثم هم يعاملون الناس بتعال وغلظة، وتخلو قلوبهم من الرحمة والمودة والحنان..
تراهم يدفعون الناس بالمناكب، ويخشنون عليهم.. أما في بيوتهم فلا مكان للمودة التي أمرنا بها الرسول الكريم، وحسن معاملة الأهل كما كان هو – صلى الله عليه وسلم- يحسن معاملة أهله..
فهم يهربون بتدينهم من أخلاق الدين، وياله من هروب مقزز..
.....
إن البطولة الوحيدة التي أعترف بها الآن في زمننا الصعب هذا هي أن يتشبث الواحد منا بإنسانيته، وألا يهرب منها إلى أي شعار آخر يرفعه كالريشة التي كان يضعها زعماء قبائل السكان الأصليين للقارة الأمريكية الشمالية المعروفون خطأ بالهنود الحمر!
ما أصعب التشبث بالإنسانية، وبالسلوك الحسن، وبمكارم الأخلاق، وبأن يكون للفرد منا حزمة من المبادئ الصارمة التي لا يحيد عنها قيد أنملة، وما أسهل الهروب إلى فهم خاطئ للدين والثقافة والثراء والنفوذ والموهبة.. يجعلها مبررات للوحشية والغرور والكذب..
لكن ذلك على صعوبته يمثل طوق النجاة الوحيد للفرد منا في مواجهة الخطر الماثل دائما بأن تخدعنا نفوسنا، وأن تغرر بنا، لتصنع منا وحوشا لا خلاق لها، مبررة ذلك بأننا أهم من الآخرين، وأن الأخلاق والمبادئ والمثل ما عادت تنطبق علينا!
....
حكاية قسطاس
يجلس العساكر متراصين على أرفف الحقائب في قطار الدلتا المزدحم، وتحتك نعالهم أحيانا برؤوس الجالسين تحتهم الذين يكظمون الغيظ.
ينام فلاح على مقعد ينقصه اللوح الأوسط من قاعدته، ويحلم أن بقرته ماتت أثناء الولادة وتسيل دموعه متمتما: «ارحم يا رحمن ارحم»
تدعو امرأة بالستر لثلاثة كهول بمعاطف سميكة كي يخرجوا من المرحاض الذي يحتلونه بسجائرهم اللف منذ بداية الرحلة.
وينهمك عجوز في البحث عن وقفة مريحة ناظرا باستعطاف للشباب الجالسين الذين لا يلاحظونه أبدا، وفي النهاية يمس كتف أحدهم: «عشان خاطر النبي يا ابني تقعدني شوبة».
ويشكو بائع الكولا لنفسه بصوت عال: «أول مرة تحصلي، زوغ مني إزاي الراكب الوسخ بتمن المشروب، معرفش، يمكن نط من القطر، الله يخرب بيته».
يظلم وجه شابة محجبة لأن صلاة الظهر فاتتها، وهي لا تعرف يقينا ما إذا كانت مسافة سفرها ترخص لها جمع التأخير أم لا.
وينظر طالب معمم خطفا للركاب من حوله ثم يشرد مجددا محاولا فهم نكتة فقهية ابتلاه بها شيخه بالأمس، مسلما وجهه للهواء المترب الذي يهب عبر النافذة المكسورة.
ويقول شاب لصاحبه والقطار يرجهما رجا: «يعني انت دلوقت بتقرا مجلة فيها صور ممثلات فاجرات وأنا باقرا في المصحف الشريف، لو القطر ده ولع حالا، أنا في الجنة، وأنت في النار، على طول كده، مافيهاش فصال، أمال إيه، هي فوضى، ده عدل وقسطاس، بقولك قسطاس».
لا تهرب!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
