في المباراة بين تركيا وشركة تويتر يصعب أن تكون محايدًا وأنت تتمتع بحريتك ومتعتك في “التغريد” ! تويتر لم يَعُد شركةً قَصِيَّة في أمريكا، بل أصبح أسلوبًا في حياتنا، ومتنفسا للإبداع والتواصل.
حتى هذا المقال سأغرد برابطه -كالعادة- لأصدقائي المغرّدين الذين يضيرهم ما يضير تويتر! وهنا لن أناقش الموقف العاطفي المفهوم والمقبول في نظري، ولن أناقش الحكم العلمي والتحليل الإعلامي أيضًا، لأن غاية أمره: حدثٌ محدودٌ في زمانه ومكانه.
الأهم من الموقف العاطفي، والأهم من الحكم العلمي هو: (المعيار) الذي حكّمناه على القرار، فاعترضنا أو أيَّدنا من أجله.
المعيار الذي نتحاكم إليه هو الأهم والأخطر من الحكم ذاته، فإذا توافقنا على معيارٍ صحيح فلا يضيرنا بعد ذلك اتفقنا على هذه الحادثة المعينة أو اختلفنا.
وإذا توافقنا على معيار خاطئ أو منقوص فلن ينفعنا حينئذٍ صادفَ حكمُنا وجه الصواب أم لا.
وفي حكمةِ الشعر:متى يستقيمُ الظلُّ والعودُ أعوجُ؟!العود هنا هو: المعيار.
والظل: هو أحكامنا الصادرة عن هذا المعيار.
ولن يستقيم الظلُّ والعودُ أعوج!وجدتُ كثيرًا من المعترضين على القرار يتحاكمون لمبدأ (الحرية) التي انتهكها القرار.
من أجل الحرية إذن حكموا واعترضوا.
ولستُ أخالف أن الحرية فطرةٌ إنسانية، وأشواقٌ روحية، وواجبٌ شرعي.
وأدلة ذلك لها موطن آخر.
وانتهاك الحرية هو تصرف مرفوض لا ينتمي للشريعة ولا للحضارة.
فإن الحرية “حقٌ” يجب احترامه، ولكن هذا كله لا يكفي لأن نجعل الحرية وحدها “معيارًا” لتقييم القرارات والأشياء والأشخاص.
فهناك قِيَم أخرى لا تعارض الحرية ولا تستغني عنها الحرية، وهي مكوِّنٌ أصيل (لمعيار الحكم) و(مرجعية التحاكم).
فحفظ الحقوق، والعدالة، والقانون الحامي لها، هي الأخرى مبادئ تُشبه الحرية أهميةً ومكانة.
ومن غير المعقول أن نقف مع حق الحرية حتى لو مارسوا باسمها انتهاكا للحقوق الأخرى، إنما وقفنا مع الحرية لأنها (حقٌ) لا يجوز انتهاكه، فكيف ننتهك باسم الحرية (الحقوق) الأخرى؟! إن الحرية الحقيقية لا تأتي بانتهاك الحقوق الأخرى، وكل ما يمارَس باسمها من انتهاكات هو انتحال للحرِّية وما هي بِحُرِّية.
الاعتداء على الآخرين ليس حرية، انتهاك الخصوصية الشخصية ليس حرية، التمرد والفوضى ليس حرية.
وكما أن الحرية تُرتَكب الموبقات باسمها، فكذلك هي الحقوق الأخرى لا تسلم من استغلال لاسمها في أخطاء وخطايا كثيرة، فالعدالة واحترام القانون -على سبيل المثال- حق ومبدأ، وكم ارتُكبت المظالم باسم العدالة والقانون.
والمقصود أن كل حق قابلٌ للاستغلال، وهذا الاستغلال لا يشفع له لأن ندافع عنه مدافعتنا عن الحق ذاته.
وأن المعيار في الحكم والمرجعية في التحاكم هو مجموع القيم والحقوق والأخلاق، وأن الاقتصار على شيء منها يصنع “عودًا أعوج” لا يستقيم “ظلّه”.
القيم منظومة واحدة، وجسد واحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
لا يضيرنا بعد ذلك، حين يصح المعيار في الحكم، والمرجعية في التحاكم، وحين تأخذ الحرية مكانها بجوار الحقوق والقيم الأخرى، لا يضيرنا أن نختلف في تقييم هذا القرار أو ذاك.
ويبقى التحدي الأكبر لأمتنا وأفرادنا في امتثال منظومة القيم والحقوق والأخلاق في واقع الحياة، والمستقبل لن يَمدَّ يده إلا لأمةٍ تحترم القيم والحقوق، وتأخذ بالسنن والأسباب.