في السجن - وفق ما جاء في الصحافة المصرية في الثمانينات - كانوا يعرفون العنبر رقم (ب) من سجن طرّة بأنه عنبر: (مجتمع الأديان)! لأن فيه نحو 25 جماعة واتجاهاً.
.
وفي هذا المجتمع كانت تدور مناظرات غالباً ما تنتهي بالمواسير والأخشاب ويقول:.
.
.
.
عبدالصبور في سياق مراجعاته: ذات مرّة صلّينا المغرب ثم بدأنا النقاش كنا حينذاك ستة أشخاص ولما أن جاء موعد العشاء كنّا قد كفّرنا بعضنا جميعاً وصلّى كلّ منّا صلاة العشاء وحده.
!وجاء على لسان أحدهم يُدعى أمجد قوله: نبدأ حديثنا في شأن نواقض الإيمان ومقتضيات التكفير ونواقضه، وكلما احتدم النقاش أخرجنا مِن الحلقة واحداً باعتباره قد كفر عقب زعمنا بإقامة الحجة عليه، وهكذا حتى أذكر مرة أنه لم يبق في الحلقة - وكنّا عشرين- سواي، ثم تأملت أقوالي في نفسي فرأيتني قد: «كفرتُ» فاغتسلت ونطقت الشهادة من جديد!إن التطرف- الغلو- ليس خاصا بدينٍ دون آخر، ذلك أنه حالة يُمكن ردّها إلى العقل وتكوين الفهوم في حين تحضر الحالة النفسية والوضعية الاجتماعية فالتطرف إذن ظاهرة بشرية تكون حيثما يكون «الإنسان»!وإن أي دراسة لغلواء «التكفير» تطرفاً وافتئاتا على الضوابط الشرعية للتكفير.
.
أؤكد: أي دراسة لهذا الفكر الغالي لا يمكنها التعامل معه بمعزلٍ عن علم النفس المرضي: (السايكوباثولوجي) ذلك أن التكفير – المنفلت - لا يعدو أن يكون مرضاً ليس له أدنى علاقة بـ: «الإيمان» أو المعتقد بقدر ما يتم توظيف هذا الأخير في الحرب ضد الخصوم بسلاح: «التكفير» وآية ذلك أنّ الجماعات: «المنحرفة» ذاتها تنشق عنها جيوب أخرى ثم لا يلبثون أن يتبادلوا: «التكفير» فيما بينهم بذات التأول الفاسد لعين النصوص التي هي مادة لمشغولات انحرافهم.
ولا شيء – مثل التكفير يمضي بالجماعات باتجاه استباحة الدماء واستمراء التقتيل – بوحشية - وعليه يفهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، (رأيتُ للأشعري- يقول الذهبي- كلمة أعجبتني وهي ثابتة رواها البيهقي، سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهد علي أني لا أكفر (أحدا) من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات.
قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة، ويقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم).