لم يكن مفاجئا فوز الفيلم الإيطالي «الجمال العظيم» للمخرج باولو سورنتينو بجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، قبل أيام، ذلك أن الفيلم نال الكثير من التقدير والثناء على الصعيدين النقدي والجماهيري، كما أنه انتزع عدة جوائز في مهرجانات سينمائية دولية قبل أن يصل إلى المحطة الأسمى، وهي قطف جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي.
يتناول الفيلم حكاية الصحفي جِب جامباردلا (أدى دوره بإتقان توني سيرفيلو) الذي يعيش على أمجاد ماضيه المهني، ويتباهى بشباب متقد، متأخر يكاد ينطفئ، ويستمتع برخاء الحياة الاجتماعية الملونة في مدينة روما، ويسير مع موسيقى الحياة، باحثا عن شيء مفقود لا يدرك جوهره.
ثمة تفصيلان هامان في حياة هذا الصحفي، فهو خسر الفتاة التي أحبها عندما كان شابا، كما أنه اكتفى بكتابة رواية واحدة في البدايات ثم هجر الكتابة في انتظار ما يسميه «العثور على الجمال العظيم»، وهي فكرة غامضة لن يدرك أحد معانيها سوى البطل ذاته.
فقدان الحب ونضوب جذوة الإبداع يقودان هذا الصحفي الموهوب إلى الانغماس في فضاءات مدينة روما بكل ما تحمله من جمال وجاذبية وأطياف التاريخ، وعبق الماضي.
ويبدو للوهلة الأولى أنه متآلف مع إيقاع الحياة، غير أن ثمة شروخا عميقة في روحه، فهو خسر حبه الأول، وكف عن مواصلة مشروعه الروائي بعد إصداره باكورة يتمية.
هذه المضامين التي تبدو عادية، يضعها المخرج سورنتينو ضمن قالب سينمائي لافت ومحبب، ويمضي مع بطله في معانقة مدينة روما، إذ سنصغي إلى الحكايات القادمة من الزمن البعيد، وسنمعن في المنحوتات والتماثيل والمباني الأثرية، وسنسير في الدروب الظليلة لمدينة فاتنة عشقها الصحفي العجوز إلى حد التخمة.
هو أعزب ويعيش بمفرده في صحبة خادمة فقط، يقطن في شقة كبيرة على سطح إحدى البنايات العالية التي تطل على «الكولوزيوم»، وهو أثر جميل من تلك الآثار التاريخية المدهشة التي تحفل بها روما، وتستقطب السياح من كل بقاع الأرض..هذه العلاقة الحارة التي تربط البطل بالمدينة، تتجلى عبر لوحات بصرية أخاذة يتضمنها هذا الشريط السينمائي الذي يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة في تاريخ السينما الإيطالية، ويستحضر أسماء كبيرة تركت بصمة نافرة مثل فيلليني وبازوليني وتورناتوري ودي سيكا، غير أن سورنتينو لا يقع تحت سطوة هذه الأسماء، وإنما يخط مسارا سينمائيا متفردا وحداثيا مع حركة كاميرا رشيقة حاذقة تتأمل جمال روما من مختلف الزوايا، وتمضي في أزقتها وقصورها وحفلاتها الباذخة لتستطلع عوالم الطبقات الاجتماعية المتنوعة وهمومها وأحلامها.
ويستعيد الفيلم في مشاهد «فلاش باك» ذكريات من ماضي الصحفي، وهو ما يحيلنا إلى مناخات سرديات كبرى لمارسيل بروست وجيمس جويس، حيث تتوالد الذكريات، ويتدفق «تيار الوعي» الذي يؤجج في روح البطل الشغف والحنين إلى كل ما انقضى.
وعبر هذه المشاهد واللقطات تزدحم الأسئلة حول مفاهيم ورؤى فلسفية من دون أن يغرق الفيلم في الغموض أو التشويش، إذ تتكامل عناصر الفيلم من التصوير المعبّر إلى الموسيقى التصويرية، إلى الديكورات الطبيعية والاصطناعية، إلى المونتاج الذي يتأرجح بين الخفة والهدوء والانتقال السريع، ليمنح كل ذلك هذا الفيلم جمالياته ويقوده إلى نيل الجوائز والتكريم.