إصبع الاتهام
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
في مكان ما في هذا العالم، قاد سائق يحمل رخصة رسمية إحدى المعدات ذات قيمة تقدر بالملايين، ولسبب ما تلفت المعدة وتعطلت، وتعطل العمل، وبفضل من الله لم يمت أحد ولم تحدث إصابات وأضرار، ولكن تعطل العمل هذا قد ينتج عنه تأخر تنفيذ مشروع، وقد يكون هذا المشروع طريقا أو مبنى، وقد يكون مشروعا تقنيا تعطله يؤثر على الكهرباء أو على الأمن وغيرها، والمشروع بذاته ليس مهما فما أريد أن أتحدث عنه هو عما حدث بعد الكارثة، حيث أخذت كل جهة تلوم الأخرى، فالمالك قام باتهام المقاول، والمقاول قام باتهام قائد المعدة، وقائد المعدة اتهم الصيانة، والصيانة اتهمت المعلم الذي علم قائد المعدة بل والمعهد الذي درس منه، ومع مرور الوقت قد تصبح أصابع الاتهام تشير إلى دول وقضايا عرقية كل فرد منهم يتنصل من مسؤوليته ويلقيها على الآخر، فهذا هو أسلم تصرف وعمل بالرغم من أنه تصرف غير مسؤول وصبياني ويذكرنا بتصرفات الأطفال حينما يقترفون خطأ ويترامونه فيما بينهم. ولكن هؤلاء الأطفال الناضجين الذين يديرون المشروعات لم يكتفوا بذلك، بل وصل الأمر لدفع مبالغ مالية لأي شخص مستعد أن يتقدم ويقول إنه مخطئ ويحضر الأدلة الرسمية التي تدينه، وسيقدمون له محفزات ومزايا طوال عمره وسيقدمون له المزيد من الفرص لدخول مشاريع جديدة، أو أي خدمات يحتاجها من أي جهة على كوكب الأرض، وليسرع قبل أن يكون هنالك تحقيق رسمي في الموضوع.
عزيزي القارئ، لا تظن بأن التحقيق الرسمي في كوكب الأرض يجب أن تكون نتائجه هي أن العدالة قد أخذت مجراها، فبالعادة تكون النتيجة كما هي في مثلنا الحجازي «طاحت السقيفة على رأس الضعيفة» ومعيار الضعف هنا الذي سيجعلك تتحمل الخطأ ليس معيار العضلات فحسب، وإنما معيار قوة أموالك وعلاقاتك، ومعارفك، وقدرتك على إلصاق التهمة بغيرك، فمعظم البقاع في هذا العالم شعارها في أداء العمل «طبطب ليّس يطلع كويس» فلا توجد طريقة احترافية لأداء العمل توضح الإجراءات، ومن قام بها ومن هو المسؤول عن الخطأ، وتقارير دقيقة توضح مسار العمل، وهنالك الكثير ممن ينظرون إلى المعايير على أنها مضيعة للوقت والمال وتعقيد غير مفهوم وأن الذكاء في النهاية هو تنفيذ العمل على الحكمة القائلة: «طبطب ليّس يطلع كويس».
دعوني أقص لكم قصة أخرى حدثت في كوكب آخر في شركة عملاقة، وقع خطأ فادح على ذلك الكوكب وبدأت ناقلة نفط بالغرق، وأثناء غرقها أرسلت الشركة الأم تعليمات فورية بجمع كل المهندسين والاستشاريين والمقاولين وكل من له علاقة بالمشروع وجلسوا سوية وطلبوا منهم جميعا كتابة ما فعلوه خلال 24 ساعة بكل شفافية وصدق، والتزم الجميع بهذه الشروط وانتهوا جميعا من الكتابة خلال عشر دقائق وبدأت لجنة التحقيق بالتقصي حتى عرفوا سبب المشكلة خلال ساعات قليلة، وأنقذوا ناقلة النفط من الغرق بسرعة قياسية جدا.
في كوكبنا، ننسى أن المشكلة هي المشكلة ذاتها وليست المشكلة هي من سبّب المشكلة، وننشغل بتبادل أصابع الاتهام لأوقات طويلة، فنرى أن الكل يبدأ بحياكة القصص والخيالات التي تبرئه وتدين غيره، وإن كان هنالك مذنب حقيقي كان بإمكانه الهروب إلى أي كوكب آخر قبل اكتشافه، ننسى أن أصابع الاتهام لن تنقذ أرواح الضحايا ولن تعيد اللبن المسكوب، ولن تصلح الخلل، وإلا لكنا جميعا شاركنا بأصابعنا العشرين باتهام كل من نستطيع لإدانته وتلبيسه أي خطأ نستطيع عليه.
