جدّة التي رأيتُ
واسيني الأعرج2 دقائق للقراءة

حجم الخط
جدة، مدينة سكنت القلب بسرعة. فقد منحتني فرحا خاصا خلال زيارتي الأخيرة لها بدعوة من الدار الفرنسية لجدة، في إطار احتفالية الفرانكفونية لتقديم سلسلة محاضرات في الدار وفي المدرسة الفرنسية والقنصلية الفرنسية وأتلييه فنانات جدة. تعرفت من خلالها على مدينة أراها للمرة الأولى. أحببتها بسرعة إذ دخلت القلب بلا استئذان. جدة في نظامها العام لا تختلف كثيرا عن أية مدينة عربية أو عالمية ثقافيا. حركية فنية مميزة ونساء فنانات بدرجة عليا من الألق والثقافة والوعي والتبصر، مما يهدم بعض المسبقات الموجودة لدى الكثيرين منا ويقلل من الاختزالات السهلة إذ كثيرا ما نصنع صورا مغلوطة هي نتيجة الإعلام الجاهز المثقل بالكليشيهات. مدينة فيها فنانات بقيمة علا حجازي وصديقاتها، وكتاب بقامة عبدو خال وأصدقائه، وفضاءات ثقافية كتلك التي رأيتها لا يمكنها أن تكون عادية أو عابرة لدى زائرها. وأنا أكتشف المدينة بمزيد من الفرح والدهشة، تذكرت فجأة أحكام سرفانتس عن الجزائر العاصمة التي ظل يسميها عش القراصنة. ولم يتغير شيء في رأيه إلا يوم ألقى البحارة الجزائريون عليه القبض في عرض المتوسط، واقتيد إلى الجزائر ليمكث هناك خمس سنوات، حتى تكونت بينه وبين حاكم الجزائر حسن فينيزيانو صداقة كبيرة، فأصبحت الجزائر مكونا ثقافيا مهما له إذ سكنت الكثير من قصصه القصيرة ومسرحياته وثلاثة فصول من روايته العالمية: دون كيشوت.
غيرت علاقاته مع سكان المدينة، نظرته للمدينة والناس أيضا. فدافع عن الموريسكيين المطرودين لدرجة أنه عندما أفرج عنه وعاد إلى إسبانيا، اتهمته محاكم التفتيش المقدس الإسبانية بالتنكر للمسيحية، فأجبرته على إحضار وثيقة نقاء الدم التي تثبت عدم وجود أي مسلم أو يهودي في سلالته. من الحب ما أحيا. وأنا أحببت جدة وناسها بفرح.
