يسيطر على الساحة السودانية منذ أوقفت دول خليجية التعاملات المصرفية مع الخرطوم آخرها الإمارات في نهاية فبراير، جدل واسع حول مستقبل العلاقات السودانية الخليجية، إذ يرى محللون في هذه الخطوة بداية لخطوات أخرى أشد ما لم يتدارك نظام الرئيس عمر البشير ذلك، ويتحرك لاحتواء الأزمة.
وسيطر موضوع العلاقات السودانية السعودية والخليجية على النقاش في المجالس السياسية والأوساط الصحفية وحتى الشعبية، وتطرح جملة من التساؤلات الحائرة حول تداعيات المسألة: لماذا أقدمت بعض البلدان الخليجية على هذه الخطوة؟ وهل هي مؤشر صامت لعدم رضاها عن الخرطوم أم بداية لأزمة؟ وهل لارتباط الخرطوم بحلف طهران وحزب الله وسوريا علاقة بما وصف بالأزمة الصامتة بين البلدين؟ وهل للأمر أيضا علاقة بجماعة الإخوان المسلمين التي أعلنت جماعة إرهابية في بعض الدول العربية؟ أيهما أكثر نفعا للسودان وشعبه: علاقات مع السعودية والخليج أم مع إيران؟ وسيطرت هذه التساؤلات على الساحة السودانية خوفا من أي تداعيات سلبية، وحرصا على علاقات عميقة ومتجذرة وسط السودانيين، بعدّ السعودية والخليج الأقرب وجدانيا للسودانيين من غيرهم من بقية شعوب الأرض، خصوصا الإيرانيين.
وعبر حديث منسوب لوزير التجارة السوداني عثمان عمر الشريف في مواقع التواصل الاجتماعي حول العلاقات التجارية بين السودان والخليج، بأن الخليج رفع الآن الكرت الأحمر، معبرا بذلك عن وجود أزمة في العلاقات وإن كانت غير معلنة.
الدومة: مصالحنا مع الخليج بلا جدال
يقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أم درمان الإسلامية البروفيسور صلاح الدومة: العلاقات السودانية السعودية الخليجية تتجه إلى توتر وركود، فدول الخليج بصورة عامة والسعودية خاصة، لا تتدخل في الشأن الداخلي السوداني إنما في الوقت نفسه لا ترحب بهذا التقارب بين الخرطوم وطهران التي تحتل أراض خليجية (الجزر الإماراتية)، إلا أن المؤتمر الوطني الحاكم في السودان يذهب في الاتجاه المعاكس.
ويضيف: المفروض أن يتجه السودان في علاقاته الدولية نحو السعودية والخليج، ولا مساومة بأي علاقات أخرى في مقابل العلاقات معها، لكن المؤتمر الوطني يريد أن يكون بين البينين أي في منتصف الطريق، ويعد أن اقترابه مع إيران ليس معناه بالضرورة الابتعاد عن السعودية”.
ويؤكد الدومة أن الحقيقة التي لا تقبل الجدال دون أدنى ريب، هي أن المصالح السودانية تكمن مع السعودية ودول الخليج، هم أكبر المانحين للمنح والقروض للسودان، لافتا إلى أن أكبر دائن في العالم للسودان هو الكويت، تليها بقية دول الخليج.
أما من حيث المانحين فتعد السعودية من أكبر المانحين، إضافة إلى أنها الأكبر في تشغيل العمالة السودانية وتحويلاتها السنوية تبلغ نحو ملياري دولار في العام.
أما بالنسبة لإيران فهي لم تقدم للسودان شيئا غير كتب ودعاية للشيعة والتشيع.. وأحد الباحثين قال إن الجاحظ قصد في مؤلفه “البخلاء” الإيرانيين، فهم أبخل شعوب الأرض، ولا يمنحون أي مساعدات لأصدقائهم.
ويقدم الدومة حزمة من المقترحات لتطوير العلاقات مع الخليج والسعودية، قائلا: على المؤتمر الوطني الحاكم أن يفهم أن عملية المراوغة والتسويف والمماطلة و”اللكلكة” لم تعد تمشي على المواطن ناهيك بالدول، وبالتالي يجب عليه التخلي عن نهج سياسته القديمة التي كان يمارسها، وأن يعود إلى الصدق والمثالية في العلاقات الدولية، وإلا فإن مصير زعيم (الرئيس عمر البشير) هذا النظام سيكون مثل مصير الزعيم الليبي معمر القذافي والرئيس السوري بشار الأسد، ولا يحلم بمصير الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح أو الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، متوقعا أن يواجه البشير في حال تعنته والمضي قدما في سياساته المدمرة للبلاد، أسوأ السيناريوهات.. فقط مصير واحد ينتظره مع قادة نظامه، وهو مصير القذافي.
عبدالعاطي: علاقاتنا تحقق مصالح مشتركة
يؤكد القيادي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، مستشار وزارة الإعلام السودانية الدكتور ربيع عبدالعاطي لـ”مكة” أن العلاقات السودانية السعودية متجذرة وتاريخية، وهي بمنأى عن الأعاصير والعواصف، وعميقة بين الشعبين السوداني والسعودي، وبالتالي ثابتة ومستقرة.
وعن علاقة السودان بإيران، يجيب: أعتقد أن علاقة السودان بأي دولة هي علاقة دبلوماسية هدفها تحقيق المصالح المشتركة، وليست على حساب أي دولة.
أما علاقاتنا بإيران فتتم بموجب العلاقات الدولية، ومن شأنها أن تكون في إطار مصلحة البلدين، ولا نرضى بأي حال من الأحوال أن تكون هناك دولة إسلامية تناصب العداء للسعودية.
هذا جانب، والجانب الآخر أن علاقاتنا سواء كانت مع الولايات المتحدة الأمريكية أو المجتمع الأوروبي أو الدول الصديقة والشقيقة، لن تكون على حساب علاقاتنا بدولة أخرى.
وأكد أن علاقة السودان مع الخليج نافعة وأساسية، ولكن هذا لا يعني ألا تكون لنا علاقات نافعة مع دول أخرى.
فانوس: يمكن الاستغناء عن إيران ودعمها القليل
يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم الدكتور صفوت فانوس لـ”مكة”: من الجانب السوداني واضح أن كل التحركات نحو التهدئة، بمعنى أن السودان ليس لديه أي رغبة في أي نوع من أنواع تأزيم الأوضاع، وهو الآن يتعاطى مع الأمر وفق منظور الدبلوماسية الهادئة، ولا يتعامل بالفعل ورد الفعل.
وأي كفة أرجح كفة علاقات السودان مع طهران أم مع السعودية والخليج؟ يجيب فانوس: في تصوري إن النظام الحاكم في الخرطوم حتى هذه اللحظة لم يحسم هذه القضية بعد، ويبدو أن خياره المفضل أن يتعاون مع الطرفين، وهذا الأمر غير ممكن، علما أن الأفضل له أن يحافظ على علاقاته التاريخية مع السعودية والخليج من أجل مصلحته ومصلحة المواطن السوداني.
ويتابع: علاقات السودان بالخليج هي الأفيد، وواضح أن الثمن الذي تطلبه إيران نظير مساندة ومساعدة النظام، هو إطلاق حرية العمل للمجموعات الشيعية، وهذا التوجه يقابل برفض معظم الأطياف السودانية التي لا ترحب بالتمدد الشيعي.
وحذر فانوس من خطورة تداعيات الأوضاع، قائلا: النظام واقع الآن ما بين المطرقة والسندان، بمعنى أنه لا يريد أن يتخلى أو يخلع يده أو دعمه لجماعة الإخوان، باعتباره فصيلا من فصائل الحركة الإخوانية، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يخسر دول الخليج، وبالتالي هو يسير على حبل مشدود في علاقته بإيران من ناحية وبدول الخليج من ناحية أخرى، وأيضا يسير على حبل مشدود في علاقته بجماعة الإخوان الموجودة في دول عربية، وموقف الخليج من الجماعة، وفي تقديري الخاص يمكن الاستغناء عن إيران والقليل الذي تقدمه، لكن للمجوعة الحاكمة أو السلطة في الخرطوم غير هذا الرأي، باعتباره أنه يمكن الاعتماد على طهران في واردات حساسة لا يمكن الحصول عليها، وبالتالي فإن إيران ستكون هي المتاحة.
309 ملايين دولار تبادل تجاري مع السعودية
بلغ حجم التبادل التجاري بين السودان والسعودية 309 ملايين دولار، لعام 2012.
صادرات السودان للسعودية: 9.2%.
ورادات السودان من السعودية: 7.9%.
صادرات السودان للإمارات: 63.2%.
ورادات السودان من الإمارات: 5.2%.

