في أول إطلالة عبر هذه الزاوية ومع انطلاقة هذه الصحيفة، لا بد من التفاؤل بأن تكون هذه الصحيفة التي تنتسب إلى البقعة المباركة «مكة المكرمة» حاضرة في المشهد الثقافي والإعلامي المحلي بكل ما تحمله دلالات المكان الحاضن لصدورها جغرافيا وفكريا، ومن المثير هنا حقا استحضار فكرة أثر المكان بكل مكوناته الطبيعية والفكرية في المناشط القائمة على أرضه ومدى انعكاسه وحضوره على مركزه ودوره وحركته، والتاريخ يشهد أن المكونات الثقافية والفكرية قد تأثرت دوما بدلالات المكان ومنظومته الفكرية والتاريخية وواقعه السياسي، ومن هذه الزاوية عينها كان للأدب، والشعر مثلا، وهو المعبر عن جملة أمور حياتية مختلفة، خصائصه المميزة له بحسب المكان والمعايير الثقافية الحاكمة فيه، فللشعر الجاهلي تبعا لذلك ما يميزه عن غيره، وكذلك الإسلامي، بل وفي المرحلة الإسلامية كان للأدب الأموي والعباسي والأندلسي ما يميزهم، ولذات الاعتبار كان لأدب المهجر ومدارسه ما يميزه عن غيره، والشعر في ذلك كغيره من المخرجات الثقافية وفي مقدمتها النتاج العلمي في هذا التأثر على تفاوت محدود بينها.
وإذا كانت بعض البقاع قد خضعت لتحولات ثقافية تبعا لظروف سياسية واجتماعية باعتبار أن الواقع السياسي والثقافي المتغير هو من يحكم في النهاية على المخرجات الظاهرة لهذه البقعة أو تلك، فإن بعض البقاع لا تخضع لهذا القانون بالضرورة مهما كان حجم وقوة المتغيرات المحيطة بها، وذلك لأنها اكتسبت وجودها وتاريخا ورمزيتها أصلا تبعا لأسباب أخرى قد يكون بعضها إلهيا لا حيلة للبشر فيه كمكة المكرمة، وقد يكون بعضها لتوارد تاريخي من نوع ما يجعل من المكان علامة على معنى فكري بعينه كبعض المواقع التاريخية مثلا.
ومع أن هذه الحقيقية يمكن أن تغيب لفترات تحت سطوة واقع معين لكنها لا تزول بالكلية بل تعود عند زوال العوارض الطارئة إلى الحضور بقوة. وبالعودة إلى مكة المكرمة فإن الإسلام قد ربط أعظم شعائره بها فاستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة وما أدراك ما الصلاة، كما أمر بالحج والعمرة لبيت الله الحرام فيها، وجعل لهذا الاعتبار والتعظيم حدودا مكانية وجغرافية تستتبع أحكاما شرعية خاصة بها، ومن ذلك أنه جعل الإحداث في مكة والظلم والمعصية فيها أعظم خطرا على العبد، بل جعل الإرادة الجازمة بارتكاب الظلم والجور فيها موجبة للعذاب في الآخرة، والنصوص الشرعية في هذا وأمثاله كثيرة متوافرة ليس هذا محل إيرادها، ومن هنا فلا خيار سوى انعكاس كل هذه الدلالات لمكة على كل جوانب الحياة فيها، وهذا هو بعينه مصدر تميزها وقوة حضورها، بل هو المنتظر المقبول من العالم كله دون نكير، وإذا كانت مكة للجميع كما يقول البعض فهو ذلك الجميع المصطبغ بلونها ورائحتها والمعترف برمزيتها وموقعها وهويتها الكبرى وهي الهوية المتسمة بكل خصائص السماحة والسعة في الإسلام.

