المهرجانات المسرحية العربية أحد أهم روافد الثقافة المسرحية، وتبادل الخبرات وعرض التجارب المختلفة لكل دولة، وقد كانت حلماً لكل مسرحي في الوطن العربي، إلا أن ثمة سؤالا عريضا يطرح نفسه: هل تحولت مهرجاناتنا المسرحية العربية إلى بروتوكولات بين الدول أم أنها طورت الفعل المسرحي العربي؟
يقول الناقد المسرحي الكويتي حمد الرقعي، إن المهرجانات المسرحية العربية انطلقت عام 1969، بمهرجان دمشق المسرحي بنيات طيبة من قبل كبار المسرحيين العرب ولأهداف محددة، صاحبتها حركة نقدية جادة، ومع تعددها وانحراف أهدافها، بدأت هذه المهرجانات بالترهل، وقلت قيمها الفكرية والفنية والتأثيرية، وتبعاً لذلك استقطبت المهرجانات أعمالاً مسرحية لا يمكن بأي حال أن تمثل الوجه الحقيقي للمسرح العربي، أو حتى الحركة المسرحية للبلد المشارك فيها، أو تؤدي لحراك مسرحي جاد في هذا البلد أو ذاك، حيث ساد الاختيار العشوائي للعروض المسرحية المشاركة، وغاب النقد الحقيقي المصاحب، وأصبحت ملاذاً للعروض الضعيفة التي لا تشاهد إلا مرة واحدة فقط، الأمر الذي شكل علامة استفهام كبيرة حول الجدوى من إقامتها واستمرارها، ويرى الرقعي أنه في ظل هذه الأوضاع لا بد من عملية تقنين لهذه المهرجانات المتزايدة، وإعادة قراءة واقع المسرح العربي المتدهور، خاصة عندما نلاحظ غياب موسم مسرحي منتظم في كل البلاد العربية، ولا نلحظ للمهرجان أي مردود يذكر.
أما الناقد المسرحي القطري حسن رشيد فيقول: «نحن في أمس الحاجة لمثل هذه الملتقيات، خصوصاً في ظل ضمور المسرح العربي إجمالا، هناك حلم التغيير في جيل الشباب عبر خريطة الوطن العربي، ولكن المسرح مغلف بالضبابية.
ويتساءل رشيد: «هل خلقت هذه الفعاليات جيلا آخر؟» ويضيف: «لن نجد جواباً واضحاً، نظراً لتشتت الرؤى والاستراتيجيات العربية حول المسرح، ومع هذا فوجود شيء أفضل من لا شيء، والمؤسف أن الروافد الحقيقية للحراك المسرحي مفقودة، وفي الغرب هناك قيمة للمسرح والفنون الأخرى، ولدينا ما زالت النظرة لـ»أبو الفنون» كما هي، فنحن لا نقدر المسرح مع أننا نعرف مكامن الخطأ، ولكن دون اهتمام من أحد.
ويبدي رائد الاحتفالية، المخرج المسرحي المغربي، عبدالكريم برشيد خشيته من أن تتحول المهرجانات العربية إلى «بهرجانات « فتكون غالبة على المضمون الفكري والعلمي والثقافي والفني، مضيفا: أن المهرجانات العربية هي خلاصة ما يقدم من إبداعات مسرحية من كل دولة، ولكن ما نشاهده الآن عكس ذلك تماما بسبب «اللوبيات» والمحاباة، فنحن بحاجة لإعادة النظر في مثل هذه المهرجانات حتى تكون صادقة ومرآة تعكس الوعي العربي، خصوصا في ظل الفترة التي يمر بها الوطن العربي وما بها من أمور دقيقة جدا فيها تغير على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمعرفي، ونحن مطالبون أن نعطي الكلمة للمبدعين وأن نراهن على إبداعاتهم في مثل هذه المهرجانات التي من المفترض أن تكون لتبادل الخبرات والتنافس وأن يكون المعيار واضحا وموحدا، بعيدا عن الظلم والمحاباة وأن يكون الجميع أمام المسرح سواسية.
ومن جهته، يقول الممثل والمخرج المسرحي الأردني خالد الطريفي: «عبر ثلاثين سنة في المسرح ومن خلال مشاركاتي في المهرجانات العربية أستطيع أن أقول إن هناك تطورا على مستوى الحركة المسرحية والحياة المسرحية، وانعكس ذلك على الجمهور، والتطور الذي يحدث الآن للمسرحي ليس مرتبطا بالدراسة بقدر ما هو مرتبط بالموهبة وتنميتها، فهناك الكثير من المسرحيين لم تقدمهم المهرجانات وأصبحوا نجوما ولم يشاركوا في مهرجانات مسرحية عربية»، ويضيف الطريفي قائلا: «ورغم ما يقال عن المهرجانات العربية أرى أنها عملت تطوراً حتى على صعيد المستوى الشعبي، بمعنى أن الناس أصبحوا يعرفون أن هناك مسرحا ويعون أهميته ودوره، وتغير ذلك حتى على مستوى البيت الواحد من المحاربة له إلى تقبله ومعرفة أهميته، وينحدر تطور المهرجانات ومدى فاعليتها وفقا لتوجه الدول واهتمامها بالثقافة، ونحن في الوطن العربي، الاهتمام بالمسرح الذي هو جزء من الثقافة يعتبر ضعيفا جدا، وهناك دول عربية عرفت أهمية المسرح ودعمته وطورته، وأخرى عرفت أهميته فحاولت طمسه لما له من تأثير واضح».
ما نشاهده من فعاليات وعروض خلال المهرجانات دون المستوى، عكس ما يدور في الجلسات الجانبية في بهو فندق الضيوف ورموز المسرح فهو أكثر فاعلية لأنه مليء بالبوح والصدق.
الواقع المرير، أنه في كثير من المهرجانات العربية يتم تجميع كل التوصيات، ومن ثم وضعها في ملفات وتترك في المخازن، كي تربي بها الفئران، ومن هذه المهرجانات «مهرجان المسرح التجريبي»، أو «قرطاج» أو غيرهما.
حسن رشيد
هناك كثير من المهرجانات بحاجة إلى إعادة صياغة ورؤية، باعتبار أنها لا تركز على الفعل الحقيقي للمسرح، وتعتبر بالنسبة للدول واجهة إعلامية وإعلانية فقط، وتدخل في إطار السياحة الترويجية، مع أن الأساس فيها هو نوع من التلاقي، فالمهرجانات المسرحية خلاصة ما يدور وينتج في كل العالم العربي، وفي ظل هذا الوضع المتردي لا يمكن أن نقول إنها تعكس الصورة الحقيقية للمنتج المسرحي العربي.
عبدالكريم برشيد
أرى أن مهرجاناتنا العربية أشبه بالملتقيات العلمية البحثية وليست منوطة بعامة الشعب، فجمهورها محدد ومهتم بالنواحي الدقيقة في المسرح، وبُعد الجمهور عن المهرجانات يختلف باختلاف توجهات الأفراد، فالبعض لديه محاذير اجتماعية ودينية وسياسية، والبعض الآخر لديه أولويات حياتية لا يكون المسرح من ضمنها، ولذلك من الظلم أن أقول إن الجمهور بعيد عن المسرح، لأن المهرجانات طاردة له.
خالد الطريفي

