«كلمات هنا، هناك، هنالك، مليئة بثقوب يخرج منها بخار خانق اسمه الجهل» (أدونيس).
1-
يستعصمُ العربي، صاحبُ العقل النقدي، بأشد درجات ضبط النفس لكي يحجم عن الصراخ في وجوه غالبية المتحدثين المزمنين على شاشات الفضائيات العربية: صمتا! صمتا!
ثم حين يلوذ العربي بالإعلام المكتوب ظنا منه أن كُتابه أكثر حرصا على المعرفة والاطلاع والتأمل قبل الإفاضة في التحليل والتنظير وإطلاق الأحكام القاطعة، تصيبه الفجيعة مضاعفة؛ فمعظم كُتابنا كبارهم قبل صغارهم، يقعون في نفس الأخطاء الفكرية الفادحة التي لو وقع فيها طالب في أي جامعة عالمية حين كتابته ورقة بحثية بسيطة لرسب فورا، ولأوصاه الأستاذ المشرف عليه بتلقي دورات أكاديمية مكثفة في المنطق والتفكير النقدي وصوغ الحجج..إلخ
وفي الحالتين _ أعني متحدثي الفضائيات وكاتبي الصحف والمواقع- يكون إخفاء الجهل بالموضوع وأبعاده وتداعياته بطريقة واحدة لا تتغير؛ الشخصنة!
فبإبداء ثقة الطواويس في الذات، وتناول المواضيع من وجهة نظر واحدة فقط، والتأكيد عليها وكأنها وجهة النظر الوحيدة التي لا ثاني لها، وأن الرأي المعروض فيها هو الرأي الفذ الفريد الذي لا يأتيه الباطل.. ثم بتشويه المختلفين مع صاحب الرأي، وطعنهم شخصيا بتخوينهم وتجهيلهم، بحيث ينصرف وعي المشاهد والقارئ من التركيز على «الموضوع» إلى التركيز على «عظَمة» شخص المتحدث أو الكاتب، و»حقارة» أشخاص أصحاب الآراء التي تجرؤ على مخالفته!
وهكذا تتوه الحقائق الأساسية للسياسة والاقتصاد والإدارة والتكنولوجيا وأسواق المال.. وتغيم الرؤية لدى المتلقي، فيزداد «جهلا» كلما ازداد مشاهدة وقراءة!
إن الاحتكار شبه المطلق من قبل هؤلاء المزيَّفين المزيِّفين للمنابر الصانعة لوعي الأمة يهدد بقلب كل مفاهيمنا –إن لم يكن قد قلبها وانتهى الأمر- فيصبح «الجهل» هو المعرفة، و»التشدد» هو التدين، و»الانغلاق» هو الوطنية، و»العنف» هو دواء الإنسانية.. ولا يتبقى لنا أمل في المستقبل.
لكن الأمل موجود قطعا، وإن كان دربه شاقا، فعلى كل عربي أن يحصن وعيه الشخصي من بخار الجهل الفضائي والصحفي الخانق، بأن يحرص على ألا يفسد معدته بالأكل من صنف واحد مدى الحياة، فلينفتح المشاهد العربي ليتمكن من الهروب من وصاية المتشدقين الجهلاء، ولينتقل –كالنحلة- كلما أراد أن يُكوّن رأيا، بين مصادر المعرفة المختلفة، ثم يصهر كل ما قرأه وشاهده، بساعة تأمل ذاتي، تمكنه من المفاضلة بين وجهات النظر المتباينة، وتمنحه القدرة على تكوين رأيه الشخصي، المبني على المعرفة والتفكر لا الجهل والتقعر!
الطريق ليس سهلا، لكن ثمرة المعرفة حلوة، وتستحق العناء.
أنار الله عقولكم، وكفاكم شر حاملي مباخر الجهل!
2-
تتباهى إحدى الجامعات العربية المرموقة بأنها أولى جامعات الإقليم التي تُضمن مناهجها مهارات «التفكير النقدي» كمادة إجبارية مقررة على طلاب الجامعة جميعا في كل السنوات الدراسية، تلك المهارات التي تمنح العارفين بها المالكين لناصيتها القدرة على الدخول في حوار حي خلاق مع الأفكار أيا كانت، فكأن العقل يتزود بمصباح كاشف يضيء ما يُعرض عليه من حجج ومأثورات وأحكام..فيغربلها بعد أن يكشف ما فيها من عورات منطقية أو تناقض داخلي أو قصور في القياس أو قفز غير مبرر من الخاص إلى العام..إلخ
فهل أثمر ذلك خريجين يحمل كل منهم في عقله مشرط جراح، يشرّح به ما يحيطه من جثث الأفكار العتيقة والمغالطات الفادحة والتعميمات الفاضحة؟
لا، لم يحدث!
فقد جمعني حوار تليفزيوني مع رئيس تلك الجامعة قبل شهور قليلة، ثم تكرم العالم الجليل بدعوتي لحضور حفل تخرج الدفعة الجديدة من الخريجين، وهناك، كانت صدمتي التي أعادتني لخيبة الأمل من جديد حين جلست على المنصة مع العميد، لكي أتلقى أسئلة الطلاب والخريجين في ندوة كان ينبغي لي فيها أن أكون المتحدث المُحاضر، لكنني فضلت تحويلها إلى حوار متعدد الأطراف مع الشباب.. تأملوا هذه الأسئلة التي أمطرني بها الشباب:
- لماذا يتآمر الغرب على العرب؟ (تعميم مبني على حكم عاطفي بلا دليل).
- كيف ننتصر على اليهود؟ (نحن لسنا في عداء مع اليهود، فخصومنا في قضيتنا الفلسطينية العادلة هم الصهاينة لا اليهود).
- لماذا تميل بعض الشعوب للكسل وتميل شعوب أخرى للعمل الدؤوب؟ (تعميم عنصري).
- هل يتناقض العلم مع الدين؟ (ألم تتعلم أن تحدد أولا ماهو تعريف العلم، وماهو تعريف الدين؟ وما هو التناقض؟)
- مدارس الفكر مختلفة فأيها أتبع؟ (تعرف عليها كلها أولا، ثم تأمل وتدبر وحدد لنفسك اتجاها فكريا ينبع منك أنت، ولا يمكنني منحك وصفة طبية تعفيك من القراءة والتفكير الذاتي).
عدت لمكتب رئيس الجامعة مصعوقا، وسألته بحدة ربما خرجت بي عن حدود اللياقة الواجبة:
- كيف حدث يا دكتور أن سنوات من التدريس الجاد لمهارات التفكير النقدي لم تؤثر إلا قليلا على عقول طلابكم وخريجيكم، كما اتضح لي من أسئلتهم وإجاباتهم؟
فرد علي العالم الجليل بصوت متهدج:
- ما الجامعة إلا خيط واحد في نسيج واسع ومعقد يشكل وعي هؤلاء الشباب العرب، ويحدد الزاوية التي ينظرون من خلالها للعالم ولأنفسهم.
ونحن نعلمهم التفكير النقدي وندربهم عليه في قاعات المحاضرات، ولكنهم يتعرضون لسموم التفكير الأعوج الناقص المنحاز كل لحظة في خضم حياتهم اليومية، داخل بيوتهم، وعلى شاشات الفضائيات، وعلى صفحات الجرائد والمجلات، ومع قادة الرأي في مجتمعهم من دعاة ووعاظ وكتاب وإعلاميين..إلخ
والجامعة وحدها مهما كانت مستنيرة ومتقدمة، تعجز عن تغيير عقول الشباب، إن لم يدعمها تيار عام من الاستنارة في المجتمع وفي الإعلام.
3-
ذات صباح مر موكب رئيس وزراء إحدى الدول العربية بمنطقة جرداء على حدود العاصمة، فقال رئيس الوزراء بلهجة آمرة لوزير الزراعة:
– في المرة المقبلة أحب أن أرى أشجارا خضراء تملأ هذا المكان.
فرد الوزير بخضوع:
- سمعا وطاعة.
رغم أن الوزير يعرف أن الرمال في تلك البقعة ملحية ولا يمكن أن تنمو فيها الأعشاب ناهيك عن الأشجار، لكن أوامر معالي رئيس الوزراء لا ترد..
خصصت وزارة الزراعة ميزانية سنوية مقدارها ثلاثون مليونا، لتجهيز ونقل غابة صغيرة من الأشجار، كل شجرة في وعاء كبير من التربة الصالحة للزراعة، على أن تغرس الأوعية في المكان الذي حدده رئيس الوزراء، كلما مر موكبه بالمكان، ثم تُعاد الغابة مرة أخرى بعد عبور الرئيس إلى مخازن وزارة الزراعة، حيث يعتني بها خبراء أجانب، يقومون بحقنها بالمقويات والأسمدة، لكي تكون خضراء يانعة، حين تُنقل مجددا لكي يراها المسؤول الكبير في طريقه، ربما مرة واحدة كل عام.
وهكذا يسجل التاريخ أن العرب هم الأمة الأولى -من بين كل الأمم- التي اخترعت الغابة المحمولة المتنقلة!
كان الله في عوننا جميعا.

