نحن الآن في موسم الأمطار، وتبعا لذلك، في موسم التصريحات الطريفة، فحين تجود السماء بقليل من المطر – كما حدث في جدة الأسبوع الماضي- تتحول الشوارع إلى بحيرات من الوحل تستمر بضعة أيام، وبعضها يستمر أسابيع، ليس في جدة وحدها، بل هي عود من حزمة مدن، كلها في الهم «مطر»، ومع هذا الوضع تنطلق تصريحات المسؤولين في الأمانات والبلديات، فمن قائل إنها أمطار غير متوقعة، بل غير مسبوقة منذ عقود، ومن ملق بالمسؤولية على انسداد قنوات التصريف فجأة، وكأنها خافت من كثافة المياه!
ومن المؤكد أن معدات الشفط لم تبق في الشوارع قطرة ماء خلال ساعات، ولولا خشيته من أن «المويه تكذّب الغطاس» لقال إن المعدات تشفطها قبل أن تقع على الأرض! ولعل أفضل التصريحات وأقلها طرافة، تلك التي تقول إن مشاريع التصريف القادمة والقائمة ستقضي على المشكلة من جذورها خلال الأعوام القليلة المقبلة!
وتوخيا للموضوعية فإن ساق العمل لم تنثني، وقدمه لم تفتر - في جدة مثلا منذ سنوات- في مشاريع الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.
وقد بدا الإنجاز ملموسا -إلى حد ما- في مشاريع الصرف الصحي، أما تصريف مياه الأمطار فحال شوارع جدة بعد الأمطار الخفيفة الأخيرة يقول إنه لا أثر للإنجاز.
ربما لم يتم تشغيل الأجزاء المنتهية من مشاريع التصريف، وربما لم تزل تتدرب، وربما لا شيء انتهى، فالمقياس أمام سكان المدينة هو حال شوارعها بعد المطر، لا تصريحات التبرير، ومواعيد الإنجاز التي لا تنتهي.
المشكلة التي تضاعف قسوة الوضع، أن معظم الشوارع لا تخلو من الحفر، ومع بحيرات الأمطار فيها، ترى كثيرا من الطرائف والمآسي أيضا، لا سيما من أولئك الحذرين الخائفين على سياراتهم مما تسببه لها الطرقات الغارقة من كدمات ورضوض، وأحيانا كسور مضاعفة، هذا فضلا عن إيذاء الآخرين -مشاة وركابا- بالمياه التي يجري نثرها كالنوافير أثناء لحظات السقوط المفاجئ في الحفر المكتنزة بالوحل.
الطريف أن بعض الصحف السعودية التي تنشر اختيارات مما نشرته عبر صفحاتها «أيام زمان» قبل أربعة أو خمسة عقود، تجد فيها أن قضايا ومشكلات الصرف الصحي، وتصريف مياه الأمطار، مثارة منذ تلك الأزمنة الغابرة، وهناك كتاب وصحافيون «رحمهم الله» كانوا يكتبون ويطالبون، ويقارنون واقع البلد بمشاهداتهم في بلدان زاروها، أو قرؤوا عنها، ومع ذلك ها نحن الأبناء والأحفاد، مازلنا نكتب ونطالب ونقارن، ولا فرق سوى أن التبريرات أيامهم كانت معقولة مقبولة، والتصريحات الطريفة نادرة، أو غير موجودة.
ومن المعروف أن أولئك الذين كتبوا ونبهوا قديما، أو نحن الذين نكتب ونشكوا اليوم، لم يأت أحد بجديد، فالموضوع من بديهيات إنشاء المدن، حيث التصريف بشقيه: صحيا ومطرا، من أولويات البنية التحتية.
وإذا كنا في تلك الأزمنة قبل نصف قرن أو نحوه، نفتقر إلى الخبرة والمال، فما المبرر في زمننا هذا حيث الخبرة والعلم والمال، حتى الحوادث والكوارث يفترض أنها أيقظت من كان نائما، ونبهت من كان غافلا، وأقنعت من كان غير مقتنع.
لست متشائما ولا محبطا، فأنا بطبعي متفائل، لكن لابد أن أتحدث عن الواقع الذي يعيشه غالبية الناس، وهو واقع يفرض وجود من يتحدث إليهم - على الأقل- بصراحة ووضوح وواقعية مقنعة لهم، وهم أصحاب مطالب بسيطة وسهلة التحقيق، بل كان من الممكن تحقيقها دون مطالبة، ودون مماطلة، أما وقد أصبح الخلل كالشمس في رابعة النهار، فلا مناص من الإشارة إليه مرارا وتكرارا، فعسى أن يتم التدارك وتسريع وتيرة التلافي.
قد يكون الاستغراق في هذا الواقع مملا، ومؤلما، لكن الناس يقارنون بين المليارات المتدفقة في زمننا من خزينة الدولة وضخامة المشاريع المعلنة في هذا الباب، وبين الواقع الذي تفضحه أي زخة مطر، فيتساءلون: أين الخلل؟ ومتى يتم اصلاحه ومن يصلحه؟ وما هي الحلقة المفقودة؟ «و.. و... ويا ليل الصب متى غده؟!»

