الخلاف قدرٌ رباني لا يمكن معاندته، وقد خلقه الله لحكمةٍ وفائدة،ولن تجد شيئاً مفطورًا عليه الخلق إلا وله فائدة ضرورية تعود على الحياةِواستمرارها بالخير والنماء. الخلافُ شيء والتنازعُ شيءٌ آخر، التنازع هوالصورة الرديئة للخلاف، واستئصالُ الخلاف بكل صوره غير مقدورٍ عليه كونًا،وغير مطلوبٍ شرعًا. والمنافسة الشريفة هي من الصور الجميلة في استثمار طاقةالخلاف المودَعة في النفس البشرية، المنافسة الشريفة هي وقود النجاح: «وفيذلك فليتنافس المتنافسون». اعترفت الشريعة بطاقة المنافسة، واختارت القيموالمقاصد التي ينبغي أن يتنافس عليها العباد. إن الذي أنزل الشريعة هو الذيخلق الخلق سبحانه، ولا يمكن أن تأتي الشريعة لمعاندة الفِطرة والخِلقة، بللتهذيبها وتزكيتها: «قد أفلح من زكاها». وعندما جاء رسول الله صلى اللهعليه وسلم إلى المدينة آخى بينهم، لكنه لم يُلغِ ما بينهم من تنوع واختلاف،فبقي الأوس والخزرج، في تمايزٍ مَردُّه إلى النسب. وبقي المهاجرونوالأنصار، في تمايزٍ مَردُّه إلى العمل. وكانت هذه الأسماء تزيد من طاقتهمومنافستهم في اتجاه الحق ورفعة الدين. ورغم ما يحدث بسببها في بعض الأحايينمن عصبية جاهلية إلا أنها كانت تقاوَم بالتهذيب الذي يُبقي فائدة التنوعدون ضرره، ولم يُستأصل التنوع والاختلاف بالكلية، حتى لا يبقى نسبٌ أو عملٌيمايز بينهم. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. إن الخلاف داخلالمجتمع ضرورة كونية وشرعية، وما لم يتم الاعتراف به مع تنظيمه وإدارته؛فإنه يتحول إلى حالة نزاع وشقاقٍ وفُرقة. إن الاجتماع المشروعبديلٌ عنالتنازع وليس بديلًا عن الخلاف، والمجتمعات لا تنهض ولا تتقدم دون خلافٍوتنوع ومنافسة. ستلاحظ دائما أن إلغاء حق الاختلاف والتنوع لا يورث المجتمع(اجتماعًا وقوة) بل (تنازعًا وفتنة).
ليتنا نتوقف عن أحلامنا بترك الخلاف، لأنها أضغاث أحلام، تخالف القدرالكوني في هذه الحياة الدنيا، كما أنها لو تحققت -ولن تتحقق- تضر بقدر ماتنفع. وكل جهود يبذلها المصلحون في معاندة الخلاف ومكافحته هو تضييع للوقتالثمين الذي يجب أن يُبذَل في الاعتراف بالخلاف والعمل الجادّ على حسنإدارته.
البشر.. كل البشر، يجري في عروقهم الخلاف كما تجري الدماء. مسلمون أو غيرُمسلمين. إنما يتفاوت الناس في حسن إدارتهم لهذا الخلاف حتى يصبح الخلافلقومٍ سُقْيا رحمة.. ولآخرين سُقْيا عذاب.
بعض الخلافات بين المصلحين تشبه هذا الخلاف، وفي كلٍ خير:
نبي الله سليمان يقول: «هب لي ملكا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي»، بينما محمدصلى الله عليه وسلم يختار لنفسه أن يكون عبدًا رسولًا. ليس بالضرورة أننكون نُسخًا متشابهة، وطرائق متطابقة. وليس بالضرورة أن يكون أحدهما مصيباًوالآخر مخطئًا. حتى الفاضل والمفضول قد يصبح المفضول فاضلًا في هذا الزمانأو ذاك المكان أو لذلك الشخص. وقد سئل رسول الله مرارًا أي العمل أحب إلىالله، فتنوعت الأجوبة ولم تأتِ بعملٍ واحد. وربما قامت كلُّ طائفة بفرضكفاية وينفع الله بها نفعًا كبيرًا. وكما يتقاسم الناس حاجات الدنيا فيقومبعضهم بالطب أو الهندسة أو الزراعة أو البناء أو التعليم وتقوم دنياهم علىهذا التنوع الضروري، فإن قيام الدين وقوته وانتشاره لابد له من مثل هذاالتنوع.
الأهم في الخلاف إذن هو الاعتراف به، وإدارته بطريقة صحيحة تفرز بين الخلافالمقبول وغير المقبول، واتخاذ القوانين اللازمة في تنظيم هذا الخلافوتحويله إلى طاقة جديدة للنجاح؛ فالتقدم والتنمية والتطور لا يظفر بهامجتمع التنازع والفشل، كما أنه لا يظفر بها مجتمع الركود والتشابه.