لم تثن قطرة طبيب العيون التي سكبت في عيني البار لتوسيع حدقة عينيه، عزيمة رجل الفيزياء الذي كابد العناء، وأصر على توقيع مشاريع تطوير العشوائيات في أول زيارة رسمية لأميرها الشاب قبيل 30 يوما، معللا حضوره بالقول: «إنها مكة».
البار الذي يصفه المكيون بأنه أحد القادة المحنكين التي حبلت بهم حاراتها، وأحد أهم الأسماء الحضارية التي أضافت إلى الذاكرة العربية سيلا هادرا من المشاريع التنموية والتشظيات الفكرية والقوى المعرفية الدافعة.
كان الدكتور أسامة البار، صاحب الملامح الفكرية الفارقة في الذاكرة الحجازية، نيط بنياشين المعرفة عن جدارة في جامعة الملك عبدالعزيز في بداية الثمانينات الفارطة، عرف عنه أنه هادئ الطبع، مشرئب البحث، يمضي بزهو نحو أسارير البيئة وجماليات العمل الممنهج السليم.
نزل خبر تعيينه أمينا للعاصمة المقدسة في ربيع الأول 1428 كالغيث، وتنبأ مراقبون في حينها بأن مكة باتت على أعتاب مراحل مفصلية في عمرها؛ متى ما عرفنا أنه حاضر البديهة حصيف الرأي ثابت المشورة، يقوده ذكاؤه الإداري نحو اختيار مواضع النجاح والتفوق في العمل الإداري المدروس ويمتلك الاستراتيجيات الواعدة لقراءة المستقبل العمراني والتخطيطي، بشكل يمكنه من ترتيب أوراقه.
أمين العاصمة الذي استنطق مكة خمسين عاما مقبلة، مهد رؤيته الحضارية بقراءة إمكان استثمار العقول البشرية، ودراسة معدلات البطالة، والتضخم، والنمو الاقتصادي وبناء المساكن، وقادته خلفيته الفيزيائية نحو احترام الوقت ومحاسبة «الثانية» واستخدام التوقعات الضمنية.
ظلت مكة محفورة في ذاكرة ابنها «البار»، حين كان طالبا وحيدا في مدينة «نوتنجهام» الإنجليزية، وهو يستحث قواه في خدمة مدينته المقدسة، كان دائم القول بأنه لم يغادر مكة كي يعود إليها، تلك المدينة التي توسدت حناياه، وبات يشتم عطرها بين بحوثه الفيزيائية التي انكب في تأطيرها واستكناه موروثها.
البار هو الشخصية التي ينعم بمجالستها الفقراء والإعلاميون والبسطاء والأثرياء، والكل يزعم وصلا به، وسجيته العاطرة تقر بذلك، مكنته سماته الإنسانية من مخالبة الغرور ومخاتلة الكبر، قال عنه أحد المسؤولين البارزين في وزارة الشؤون البلدية والقروية ذات يوم: «لماذا يلتف الجمع كلهم حول هذا الرجل؟».