عنوان هذه المقالة ليس خدعة تجذبكم للقراءة أو جملة أقصد بها خلاف المعنى! هي جملة صادقة بكل حرف منها هي عبارة خرجت بصدق وبثقة وبدون خوف، فعلا أتمنى لو يموت والدي! قالها لي صديقي الثائر وهو ينظر إلى فنجان قهوته التي جمعتنا بعد أن انقطعت علاقتي به منذ آخر أيام الدراسة في المرحلة الثانوية.
اتصل بي ليخبرني بأنه مشتاق للحديث معي ومعرفة أحوالي، لم أتردد في اختيار المكان، كنت متشوقا فعلا لمقابلته بالذات عندما علمت أنه سوف يسافر غدا ليكمل دراسته بعد أن أضاع سنواته في جامعة «الفلس» كما يحب أن يسميها، كنت أعلم أن سهرة ما قبل السفر سوف تكون مزدحمة بالذكريات والأفكار الغريبة إلا أنني فهمت من بداية اللقاء أنه لا يريد أن يعرف عني شيئا! بل كان يريد أن يصب في رأسي الكثير من الغضب على سنواته الماضية، وكأنه يريد التخلص منها ومن حزنها قبل الصعود للطائرة، وللأسف بما أني أجيد الاستماع بشكل متقن كنت أنا الأداة المستخدمة في التنفيس عن غضب السنوات السابقة في فنجان قهوة واحد.
يخبرني صديقي الحزين أنه يدعو دائما وفي كل حين أن يموت والده حتى يجد عذرا لسبب غيابه الدائم، والده الذي أعرف عنه أنه رجل ثري وبخيل بقدر ثروته، كما أنه رجل تزوج أكثر من واحدة وبذل كل طاقاته في إنجاب أبناء لا يعرف عنهم أي شيء، بالنسبة لصديقي كان هو بكر الزوجة الثانية أو الثالثة على ما أظن ولحسن حظها أنها معلمة فكانت وظيفتها فرصتها المنقذة من الطلاق للبحث عن زوجة أخرى! كانت هي الأخرى مقام الأب والأم في نفس الوقت لصاحبي، هي مصدر المال والعاطفة والمسؤولية.
حاولت أن أكون شخصا مثاليا وأقوم بدور الناصح، ودعوته للبر بوالده، ولكن القصص التي يرويها لي بوجه ملفع بالحزن على حرمانه من عطف الأب وحكمته والشعور بالأمان بقربه وحرمانه من أبسط حقوقه بدافع البخل، كانت كفيلة بأن تجعلني صامتا أمام حزن صاحبي وحكاياته الملطخة بالجرم الأبوي، بقدر حزنه وغضبه على والده إلا أنه كان يعيد لي بين كل لحظة وأخرى عن أحلامه وأمنياته التي سوف تتحقق في بعثته للخارج، وكأنه وجد الملاذ الذي يبحث عنه منذ سنوات بعيدا عن خذلان والده الأناني، صاحبي ليس إلا نسخة من كثيرين، والذي كانت حياته مشوشة، ليس يتيما ليحن لوالده ويترحم عليه، ولا عاش مع والده وأمام عينيه وتحت ظله، وعلى حكمته وخوفه، ذلك الأب كان منشغلا بالمال أكثر من كل شيء وبقدر ما جمع من المال فقد من البر والدعاء، كان مستثمرا ناجحا في أمواله إلا أنه فاشل في استثماره في أبنائه وتربيتهم.
الله سبحانه وتعالى يخبرنا بأن متعة الحياة هي المال والبنون، فكيف يجهل هؤلاء تلك النعمة العظيمة! هل يعرف أشباه الرجال ما الذي يعني أن تكون أبا وأي رسالة عظيمة ومهمة ثقيلة تعني تلك الكلمة؟نعم لست بالمعلم ولم أصبح أبا حتى اليوم لأتحدث عن أمر مثل التربية، ولكن قد يكون قربي من أبناء أختي الصغار ومشاهدتهم يكبرون أمام عيني أشعل في داخلي تلك المصابيح التي تجعلني متشوقا لأصبح أبا لطفل أستثمر فيه كل ما تعلمت لأصنع منه امتدادا لي بعد موتي وفخرا يحمل اسمي، تلك النعمة يجهلها كثيرون في مجتمعنا، كل ما يسعون لأجله هو أن يصبح الابن رجلا أمام أعمامه وقبيلته، وأسعد أوقات الواحد منهم هي اللحظة التي يقتل كل طموح وكل فتات حلم في جوف ابنه ليجعل من الابن نسخة منه، إلا أن ذلك هو أعلى مرتبة ممن يجهل أمرهم تماما حتى تجرفهم تيارات مجهولة الهوية.
صاحبي اليوم مترنح بين لفافة وزجاجة، يلعن والده ويسأل عن موعد موته، ويتساءل عن نصيبه من الورث بعد موته، يراسلني دائما ليخبرني عن مغامراته وأنواع المحرمات التي يفعلها، وكأنه يريد أن يرسل رسالة لوالده يخبره بأنه فاشل وأنه لن يفلح أبدا في تربية أبنائه مهما بلغت ثروته ومهما كان رصيده في البنك.
إن إهمال ذلك الأب صنع لنا شابا مشوها من الداخل ناقما على عائلته وحارته وطفولته وكل شيء يربطه بمدينته، إن فشل ذلك الأب وغيره الكثير ليس غلطة عابرة يكفرون عنها بالمال، بل إنها جريمة بحق المجتمع فهم يصنعون لنا جيلا عاش الكره والحرمان.
إن كان هناك استثمار رابح في حياة الإنسان فإنه استثمار الأبناء لصنع رجال يفاخر بهم بحياته و ينام مرتاحا في قبره لأن هناك «ابنا صالحا يدعو له».
أتمنى لو يموت والدي!
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
