منذ عدة أيام جلست مع أحد أصدقائي، وأخذنا الحديث إلى قرار عدد من دولنا العربية خاصة الخليجية بالدخول إلى عالم الاستخدام السلمي للطاقة النووية، واتفقنا على أن عامل السلامة والأمان هو العامل الحاسم في مثل هذا القرار خاصة بعد كارثة تشرنوبيل في الثمانينيات وكارثة فوكوياما منذ عدة سنوات.
ففي صبيحة يوم 26 أبريل من عام 1986 استيقظ العالم فزعًا على انفجار نووي مروع في مفاعل تشرنوبيل الروسي مما أدى إلى تلوث إشعاعي لم يقتصر على الأراضي الروسية بل امتد إلى بعض الدول المحيطة ومنها بولندا، ورغم أن روسيا لم تعلن عن الانفجار إلا مساء يوم 28 أبريل فإن مراكز رصد الإشعاع في بولندا رصدت زيادة مرعبة في مستوى الإشعاع بالهواء مساء يوم 27 أبريل وبسرعة تم وضع خطة اعتمدت على عمل مسح شامل لنسبة اليود المشع في الغدة الدرقية على طول البلاد اعتمادًا على عدد من المتطوعين الذين دربوا بسرعة وتم توفير جرعات من البوتاسيوم اليودي للوقاية من سرطان الغدة الدرقية وهو أهم مضاعفات التلوث بالإشعاع النووي..واستخدمت بولندا دراسات علمية كانت أجرتها لتحديد جرعة البوتاسيوم اليودي الواقية من سرطان الغدة الدرقية سواء للأطفال أو البالغين بالإضافة لعدة إجراءات أخرى للحد من استهلاك المواد الغذائية الملوثة.
وفي خلال ساعات قليلة تم توزيع 18 مليون جرعة بوتاسيوم يودي في كل البلاد مما أدى إلى تقليل حدوث سرطان الغدة الدرقية في بولندا بالمقارنة بالدول الأخرى خاصة روسيا ومع دخولنا لهذا المجال أعتقد أننا ما زلنا في احتياج إلى استكمال وتقوية محطات الرصد الإشعاعي في بلادنا كما أننا في حاجة لإعادة تقييم جرعة البوتاسيوم اليودي للوقاية من الإشعاع عند الإنسان العربي والخليجي؟وتدخل صديقٌ لي في الحديث فقال: نعم كان يجب أن تكون بولندا وليس روسيا هي من تهدينا هذا النموذج في إدارة الأزمة فأحد مؤشرات التقدم الحضاري عند الدول هو معدل استهلاك الورق ..فالورق لا يدل فقط على العلم والثقافة ولكنه يستخدم للتغليف والنظافة وأغراض أخرى تقيس الذوق العام ويكفي أن معدل استهلاك الورق في بولندا أعلى عشراتِ الأضعاف من دولنا العربية فهي تحتل مرتبة متقدمة عالميًا في هذا المعدل.
وابتسمت وأنا أتساءل ترى أيهما أسهل: أن نستكمل منظومة الأمان لدخولنا عالم المفاعلات النووية، أم نزيد من معدل استهلاك الورق؟!