كثير من العالمين ينسى حتى توفيق الله له في الوصول إلى ما وصل إليه من قول أو فعل أو حلول أو أفكار، وكأن قارونا آخر صغيرا يعيش داخله.
حينما دعا موسى عليه السلام ربنا تبتل إليه أن يزيد حجته وقوته بأخيه، فما كانت النتيجة إلا نجاحا وقوة وبرهانا.
قال موسى داعيا ربه «واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32)».
في حين أننا نشاهد الكثيرين من حولنا لا يسعى إلا لنجاحه الشخصي وعلو مكانته الاجتماعية وحده، ليقال في غالب الأحيان ذاك عصامي.
وإن الغالب على النظر والمشاهد أن من يعمل بمفرده إما أن يكون ميلاد أشيائه وأفكاره تلك خدجا أو أنها منهكة وسارقة جل الوقت، فماذا لو أشرك معه غيره؟ وفي المقابل نرى تلك المشاريع الفكرية والعملية والاقتصادية والسياسية أيضا إذا ما أدخل فيها عامل الشراكة يبهرنا ذاك النجاح وتسرنا تلك النتائج، ويحمسنا ذاك الوقت الصغير المستهلك للإنجاز.
يقول المفكر الإسلامي الغزالي «بئس المرء يعيش لنفسه وحسب، لا يهتم إلا لمآربه ولا يغتم إلا لمتاعبه، ولا يعرف إلا من يقرب له مصلحة، ولا يجفو إلا من لا حاجة له عنده».
و»أشركه في أمري» عندما تكون أنت في جانب أقوى وأنا قوي في جانب آخر»والقوة لله»، لنجمع هذه الجوانب ونكون (نحن) ونبتعد عن أنا، فالاتحاد والتعاون والمشاركة في جلها ليست إلا صلابة ونضجا.
ولو عدنا لقصة موسى عليه السلام فعلى الرغم من أنه صاحب الرسالة والمختار من الله سبحانه، فقد علم أنه بحاجة إلى من يكون معه يؤازره ويقوي حجته، فاختار شراكة أخيه هارون ليقابلا فرعون وقومه ويكونا مستعدين، موسى بالآيات وهارون بالبيان، فاطلب العون الأكبر والأول من الله عز وجل، ومن ثم اطلب من تجد في غالب الظن أن لديه قبولا.
إننا عندما نتشارك في حل معضلة أو لإيجاد طريقة جديدة أو لمساعدة امرئ ما، فإن الأفكار والآراء ووجهات النظر ستتلاقح وسيثمر عنها ما لم يكن بالحسبان القديم، من حب وجمال ونجاح وقوة.
وإننا أيضا عندما نقصي «أنا»، ونقرب «نحن» نقوي أواصر القرابة، ونهون المصاعب، ونتشارك السعادة وفرحة الإنجاز والأجر، وسيكون ذلك بابا لا يصد لمشاريع وأفكار أخرى أكثر وأعمق وأنضج بإذن الله.
أؤيد قول أحدهم في مقولته «إن فكرة العمل معا تعني توجيه الطاقات الفردية المبعثرة لتحقيق أهداف مشتركة، وهي بداية الطريق، ووسيلة ناجحة للأفراد العاديين لتحقيق نجاح غير عادي».
ومن جانب آخر مهم، فما الزكاة وصلاة الجماعة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن ضده والصدقات إلا نوع أجل وأعظم من التكافل الأخلاقي والمادي في تربية ديننا لنا، والتي تحقق معنى المشاركة حقا.
هذه دعوة للقرب بعضنا من بعض، فما تعيشه مجتمعاتنا من فجوة في العلاقة وفي الأعمال والمنازل والشوارع أيضا أمر في غاية الأسى، فنرى إطراق الرؤوس، وتباعد الأيدي، وتنافر النفوس، وتخوف العيون، ونرى إساءة الظنون، وحمل الضغائن، وتشكيك النوايا، وليس هذا ما دعا إليه الله سبحانه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
رسالة: لنقصِ «أنا» ونقرب «نحن»، فعندما نتشارك نكون أحب ونكون أقوى.
.
نكون أجدر، نكون أنقى وأقرب بإذن الله.
.
دعوة لتحطيم القيود، وهدم السدود، وبناء بنيان، يشد بعضنا بعضا، ويحمل بعضنا بعضا.
وأشركه في أمري
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
