قرابة عائلية، تحولت بشكل أو آخر إلى تجارة، فسيدات الرياض يثقن في السائق المسن، أو «كبير العائلة»، وكذلك توصيات السيدات الأخريات ممن جربن التعامل معه، فالعمل سوق رائج في ظل غياب تام للوائح التي تنظم هذا السوق المربح، ففي مشوارين يومياً لمدة 22 يوما يجني السائق نحو 1600 ريال من كل زبونة.
أسطول الكامري
سائق -سريلانكي- تمكن من إحضار ثلاثة من عائلته للعمل كسائقي مشاوير في الرياض، ليس ذلك ما يهمنا، ولكن ما نبحث عنه كيف أصبحت هذه المهنة البسيطة والتي ينظر لها البعض باستخفاف إلى مصدر دخل لعائلته الكبيرة في بلده، بل ولتجارة يتداولونها فيما بينهم لتصبح أشبه بعمل «المافيا العائلية» كما نشاهد في أفلام « الإثارة والحركة».
فمحمد وأخوه جمال، واثنان من أبنائهما الذين تمكنوا بطريقة نظامية ما من الدخول إلى السعودية، للعمل كسائقين، يبدأ مشوارهم في 6 صباحا برفقة أربع سيارات من نوع « كامري» منطلقين من مكان سكنهم في جنوب الرياض ليتوزعوا في أحيائها، ففي نظرهم لا يهم الزمان ولا المكان، الأهم هو المقابل، وبكلمات قليلة وبمشاورات أقل يتفق على السعر الأب الروحي للسائقين «محمد» مع الزبونة، أو من ينوب عنها في المكالمة.
ولعل ما يدور في ذهن كل زبونة تجلس في الكرسي الخلفي لسيارات هذه العائلة أنهم يجلسون ليلا على طاولة تحمل خريطة شوارع الرياض ويتقاسمونها فيما بينهم، فيما يحاولون دوما الوصول إلى أقصر الطرق وأسرعها ليتمكنوا من إيصال كل سيدة لمقر عملها أو بيتها في الوقت المحدد دونما تأخير.
ولا يمكن حساب ما تجنيه العائلة شهريا بشكل كامل، ولكن بنظرة حسابية لما تنفقه كل زبونة شهريا مقابل «التوصيل صباحا ومساء» من وإلى عملها، فقد يتمكن السائق من الحصول على 6 آلاف شهريا كحد أدنى.
ابتسامة وثقة
وبحسب السائق محمد فإن إيصال أي سيدة من بيتها في جنوب الرياض على سبيل المثال وحتى عملها في شمالها مرتين في اليوم يكلف شهريا ما قيمته 1800 ريال، فيما تقل التكلفة إذا كان مقر سكنها قريبا للأحياء الشمالية، فربما يصل إلى 1200 ريال، فيما قد يكلف المشوار الواحد ما قيمته 100 ريال.
ويطالب محمد من زبوناته وذويهن، عدم الخوف بعدما قام بتوزيع بعضهن على أخيه وأبنائه، مؤكدا لهم بلغته العربية غير المتقنة «أنهم على قدر من الثقة كما كان هو طوال فترة عمله كسائق للمشاوير لأكثر من خمس سنوات في شوارع الرياض»، ولربما لتقاسمهم ذات الملامح السمراء التي تميز أبناء بلدهم، والابتسامة التي لا تفارقهم حتى عند حصول المشاكل مع زبائنهم من السيدات، ربما ذلك ما جعل تجارتهم رابحة.
بنت الكفيل
وما يدفعه محمد لكفيله ليسمح له بالعمل كسائق مشاوير هو راتب سنوي، 5 آلاف ريال، وأحيانا يزيد بألف أو أكثر، وفي مقابله تمكن من تسجيل سيارته باسم كفيله السعودي، والعمل دون منغصات.
وبالرغم من أن عمله توقف لفترة محدودة بسبب خوفه من وصول الحملة التفتيشية على المخالفين-التي أقامتها وزارة العمل في مطلع العام الحالي- له، إلا أنه ما لبث أن عاد لعمله بكل طمأنينة، فهو متأكد أنه لا يسمح بإيقاف سيارة في داخلها سيدة، ولكن للاحتياط يطلب محمد من زبوناته عند مروره من نقطة تفتيش، أو في حال توقع إيقافه من قبل المرور ، القول بأنها «بنت كفيل» على حد تعبيره.
في الوقت الذي تقول فيه الموظفة في القطاع الخاص هيا عبدالرحمن إنها تدفع شهريا 1600 ريال لسائقها، ليأخذها من مقر سكنها في حي الشفا جنوب الرياض وحتى عملها في حي العليا شمالا، تشير إلى أنها تتحمل كثيرا في سبيل الحفاظ على سائقها الأمين الذي اعتادت عليه.
وتكمل هيا «لست الوحيدة التي عانت مع سائقي المشاوير، فنحن مخيرون إما نتقاسم معهم رواتبنا أو أن ندع الشركات المرخصة تلتهم كامل رواتبنا، مشيرة إلى أن تلك الشركات ترفع أسعارها بشكل مبالغ، وزادت «رغم أنها أكثر أمنا إلا أن سعرها المرتفع يجعلها خيارا غير مقبول».
صمت المرور
ويبدو أن الخوف كان سيد الموقف لدى السائق المصري محمد سيد الذي اختار أن ينتقل من عمله كسائق في شركة أجرة خاصة إلى سائق لحسابه الشخصي، رافضا الحديث حول عمله أو تفاصيل انتقاله، مكتفيا بالقول «أنا مش مخالف».
ويبدو أن رفع الأسعار من قبل شركات الأجرة الخاصة كان في صالحه، بعد ما استغل ما يمكن أن يحدثه الفرق في الأسعار التي يعرضها على الزبائن، فمن 2500 ريال شهريا كانت تسلمها إحدى زبوناته للشركة يكتفي هو حاليا بالحصول على 1200 ريال مقابل نفس العمل.
«مكة» حاولت التواصل مع الجهات المختصة للرد على سؤال «من هو المسؤول عن تنظيم سوق المشاوير الخاصة؟»، إلا أن غياب الرد كان حليفا لتلك الجهات، حيث اكتفى المتحدث الرسمي لوزارة النقل عبدالعزيز الصميت بتحميل المرور مسؤولية «المخالفين»، مطالبا في ذات الوقت بالرجوع إلى اللائحة المنظمة لممارسة نشاط الأجرة الخاصة لمعرفة كيفية عمل هذه التجارة في السعودية.
اللائحة أغفلت «الأسعار»، وهو ما يهم كثيرا من السيدات، والتي ربما لو عولجت من خلال اللائحة لما لجأ كثير من السيدات للمخالفين، فيما اكتفى الصميت بالتأكيد على أنه سيحول التساؤل للمسؤول المناسب.
فيما فشلت محاولات «مكة» ليومين متتاليين للتواصل مع المتحدث الرسمي باسم المرور العقيد علي الرشيدي، أو المدير العام للمرور في الرياض العقيد علي الدبيخي، للحصول على رد حول آلية التعامل مع سائقي المشاوير الخاصة في الميدان.

