النفس البشرية مجبولة على الاجتماعية، فلا تشعر بطعم إنجازها ولا لذة حياتها إن لم تكن ضمن جماعة، تبرِز جهودها، وتعرف رغباتها، تساعدها وتساندها، وتنافسها، تنقدها أحيانا، وتطريها أخرى، فيشعر الإنسان بوجوده الاجتماعي.
وهذا من فضائل الاجتماع الإنساني، الذي يقود إلى الإنتاج، ويفضي إلى تحسين الإنتاج وتطويره، والتنافس في التقدم والارتقاء، وإلا لجمدت المعرفة وعم الخمول أرجاء المجتمع.
الاجتماعية طبيعة بشرية فطرية، لكن الذي يخالف الفطرة أن يتقوقع الإنسان على ذاته لائذا بالعزلة، متخليا عن اجتماعيته، فتتعطل شؤونه، ويخفت بريق إبداعه، ويتناقص إنتاجه، حتى يصل لمراحل الانطفاء والركود، وقد سلّم قياده للتوجس والرِيَب، فافترسته الأوهام، وعصفت به الظنون، لأنه ببساطة كما يقول المنفلوطي “ينظر إلى الحياة من منظار أسود قاتم” فران سوء ظنه على الجميع، وشعر بالحسد، وشراسة المنافسة، وتوهم الإقصاء والتهميش من الخصوم، فضاع وأضاع حقه، وشلّ لبنة كانت تؤدي دورا مهما في مجتمعها.
إن الشعور بالتهميش والإقصاء شعور قاس، ولا أظن عاقلا يبرئ المجتمعات من ممارسة بعض الإقصاء والتهميش لكن في حدود ونسب متفاوتة، وهذا الشعور على قسوته كأي شعور إنساني يحمل شحنتين، الأولى: إيجابية، يستطيع الإنسان استغلالها دافعا لتحقيق ذاته.
والثانية: سلبية، يستسلم الإنسان لسيطرتها فتشغله عن التقدم، ويظل يدور في دائرة مفرغة من القلق المبدِد لقدراته وإنجازاته.
لكن المعضلة الأكبر من الشعور بالإقصاء والتهميش هي توهم هذا الشعور من العدم، توهم أن شخصا أو مجموعة أشخاص أو جهة تمارس الإقصاء والتهميش ضد هذا المتوهِم، حتى يتعاظم الوهم ويرقى إلى درجة اليقين التي تفرض المواجهة الشرسة، أو التقوقع والعزوف المبالغ فيه، فالتوهم يبدأ ـ عادة ـ بموقف يبذر حبة التوهم الأولى، وربما يكون غير مقصود البتة، لكن العقل يبدأ بالتركيز عليه، وتكبيره من جميع زواياه، وربط عدد من الأفعال والأقوال السابقة واللاحقة بهذا الموقف.
متوهم الإقصاء عادة شخصية مسالمة، لا تتمتع بروح القيادة، ولا بروح المواجهة، ولا تؤمن بالشفافية، فلو كانت تتمتع بهذه الصفات لقادتها مباشرة إلى استجلاء الموقف علنا، وعدم الاشتغال به وإعطائه فوق ما يستحق من التركيز والتمحيص، لكنها على الأرجح شخصية ظنية، تبني عددا من المواقف على الظن ثم تحليله حتى يبلغ درجة الرجحان، ولا يخلو مجتمع أيا كانت مثاليته من هذه الشخصيات التوهمية التي يصل بها التوهم إلى درجات مرضيّة متقدمة يصعب علاجها، فنجدها في المجتمعات المحافظة، والليبرالية، والأكاديمية، والعمالية، والتجارية، والسياسية، وغيرها من المجتمعات، فهي حالة إنسانية بامتياز لا تختص بمجتمع دون آخر، لكنها تتفاوت من مجتمع إلى آخر.
ولعلي هنا أركز القول على مجتمع المثقفين، بحكم قربي من المشهد الثقافي في بلادنا، هذا المجتمع الذي يخاله الناظر من خارجه ملائكيا، لاعتماده على الخطابات المثالية المؤثرة، ببلاغة الألفاظ وعمق المعاني، وجماليات الأساليب المقنعة، لكن حالات المبدعين ربما تكون شائكة أكثر من غيرها لفرط حساسيتهم، ونرجسيتهم، فيطغى التوهم ـ في نظري ـ في هذا المجتمع أكثر من غيره، ولست في حاجة إلى ضرب الأمثلة، لأن المشهد في غنى عن التمثيل خاصة للقريبين منه، ورغم أن حاجة الناظر من الخارج إلى التمثيل تؤزني إلى التمثيل لكن خشية أن يتوهم أحد أنني ألمح بالخطاب إليه، سأتحاشى التمثيل.
ختاما، لنتعقل ولنبحث في أعماقنا عن محفزات التواصل الاجتماعي والإبداع والإنتاج الذي ينمي شخصياتنا ومجتمعاتنا، فصراعات التوهم من أشرس الصراعات وأخبثها، فليست مثل الصراعات المعرفية التي تنبثق عنها الرؤى والأفكار البناءة، وتترفع فيها الأنفس عن الشخصنة وضيق الأفق، بل تتدنى النفوس في صراعات التوهم إلى درجات العداء المستطير، ويسف الخصوم إسفافا لا تقبله الأذواق السليمة ولا ترضاه أعراف الفضيلة الإنسانية.
التوهم.. آفة الإبداع!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
