لهذا التعبير المقتبس أعلاه ارتباط قوي بي وبك وبالآخرين، فهو ينبئ عن حركة الصراع الدائرة بين قوى التطوير والتخلف في المجتمعات، ويظهر حجم أولئك الذين يمارسونه ضمنيًا في حياتهم، ويمكن وصف هذا التعبير بأنه: سهل في قوله، وصعب في نتائجه، ويتصل في أصله بحكاية قرية صغيرة هجرها التطور لسنوات، وعاشت في غبار كثيف وظلام دامس لعقود، وكان السبب في ذلك هو هذا القول المشؤوم «خلّوها مظلمة»، تقول الحكاية التي تفضل أحد أبطالها بروايتها لي: في أواخر الستينات عزمت إدارة الطرق على تنفيذ طريق رئيس موصل إلى الجنوب، ويخترق الطريق عددًا من القرى الصغيرة، لكن أهالي بعض القرى وقفوا بالمرصاد ضد الطريق، رافضين القادم الجديد الذي سيحدث تغييرات جذريّة في حياتهم، ووجدت الجهة المنفذة صعوبة في اختراق الطريق بعض القرى أو المناطق التابعة لتلك القرى، فاضطرت تلك الجهة المسؤولة إلى تغيير اتجاه الطريق، إلى مواقع بعيدة عن تلك القرية التي ترفض مرور الطريق، فبدت صورته وهو يتباعد عن القرية في احتفال أقامه الأهالي مرددين شعار «خلُّوها مظلمة» أشبه بثعبان ضخم استطاعت القرية إبعاده، وفي الوقت نفسه وافقت بعض القرى على مرور الطريق منها، كانت حجة معارضي الطريق تتمثل في أن الطريق عالم جديد له آثاره السلبية على حياتهم، إذ سيؤثر في اقتصادهم المعتمد على الرعي والزراعة، وستكون له الآثار السلبية على عاداتهم الاجتماعية السائدة آنذاك، فرفعوا قول المعارضة الشهير «خلوها مظلمة»، وكان لإيجازه وبلاغته دور في التأثير، فوافقهم الآخرون في ذلك استجابة لهذين المطلبين اللذين كانا يشكلان لهم مبدأ (أكون أو لا أكون).
وبعد مرور أربعين سنة من الاستمتاع بالظلام الذي تمثل في المعاناة مع الطريق نفسه شعر الأهالي بسوء أوضاعهم التي تمثلت في ركود اقتصادهم الزراعي، وهجرة بعض أبنائهم إلى قرى مجاورة من أولئك الذين قبلوا مرور الطريق، فنمت أحوالهم الاقتصادية إلى الأفضل مستمتعين بحسنات هذا القادم الجديد، وكان لهجرة هؤلاء أثرها الكبير في تطور تلك القرى المجاورة، التي تحول اقتصادها إلى نشاطات تجارية ملحوظة.
كان محدثي السبعيني الذي روى لي الحكاية يعدّ نفسه مسؤولًا عن إطلاق هذا التعبير «خلوها مظلمة»، ويلوم نفسه كثيرًا على ذلك، ويراه إعلان إعدام على القرية، وكان من سلبياته التي ذكرها الموجات المتوالية من الهجرات التي خرجت من القرية بحثًا من الأجيال اللاحقة عن الرفاهية والاستقرار الاقتصاديين، فلحظ مسؤوليته، وكان هذا دافعًا قويًا له على أن يقضي حياته في سفر متواصل في سبيل الحصول على حاجات قريته ومراجعة الجهات المسؤولة عن ذلك.
وبالعود إلى ذلك القول سنلحظ أنه ينطلق من إيمان واضح بأن الطريق المعبد سيحمل النور للقرية، وأن استبعاده عنها سيجعل الاستمرار في الظلام والغياب نعيمًا لا يقاوم، إنه اعتراف ضمني بكونهم يعيشون في ظلام، لكن الرفض هنا يأتي رغبة في الاستمرار فيه لا استبعاده أو تغيير نسبته العليا إلى نسب أقل.
إنه رفض للتغيير يمارسه بعضهم في كل مناسبة نافعة، ونراه سنويًا لتتكرر الحكاية براويها وشخوصها وأحداثها دون خاتمتها، إذ أخشى أن لا يعرف هؤلاء حجم الخطأ الذي يقعون فيه إلا بعد فوات الأوان.