تضرب الأمواج العاتية السفينة وصولا إلى ارتفاع عشرة أمتار، وتهب عليها رياح ثلجية عاصفة.. إنها سفينة آري رونجل التي تجتاز ممر درايك في المحيط الجنوبي، أحد أخطر مناطق الملاحة البحرية في العالم من حيث الأحوال الجوية.
بعد 43 ساعة مرت طويلة جدا في بحر مترامي الأطراف تجعل المرء يشعر بالغثيان حتى وإن كان بحارا متمرسا، وجد طاقم هذه الباخرة التابعة للقوات البحرية البرازيلية، والصحافيون المرافقون، ضالتهم.
فتحت سماء صافية، ومع حلول الليل، لاحت في الأفق جبال عالية مغطاة بالثلوج، وجبال جليدية شاهقة، تؤشر إلى اقتراب البعثة من جزيرة الملك جورج في أرخبيل شيتلاند، حيث القاعدة البرازيلية في المحيط الجنوبي.
ويقول أديلسون بينهيرو، الذي يعمل في البحرية منذ خمسة وعشرين عاما “إنه شعور رائع، المشهد خلاب، ونحن نستنشق هواء نقيا جدا، ونرى أنواعا مختلفة من الحيوانات مثل الفقمة وطيور البطريق”.
تحمل هذه الباخرة مؤنا وتجهيزات مخصصة لقاعدة كومندانتي فيراز التي تتركز فيها الأبحاث العلمية للبرنامج البرازيلي للقطب الجنوبي.
يمتد ممر درايك على ألف كيلومتر، وهو يشكل وحده ثلاثة أرباع المسافة من مرفأ بونتا أريناس في تشيلي إلى القطب الجنوبي.
ويقول قبطان الباخرة ريكاردو ماغاليس (31 عاما) والذي يعمل في البحرية منذ 14 عاما “إن ممر درايك هو من أخطر المناطق وأصعبها في العالم، إن لم يكن أسوأها على الإطلاق”.
وللمصادفة، فإن هذا القبطان يحمل اسم عائلة أول بحار في العالم اجتاز هذا الممر، وهو البرتغالي الشهير فرناندو ماجاليس (ماجلان) الذي عبر من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ في العام 1520، وكانت رحلته ممولة من ملك إسبانيا الباحث آنذاك عن طريق تجاري جديد.
وتستغرق الرحلة بين الأطراف الجنوبية لأمريكا الجنوبية، في تشيلي، والقطب الجنوبي أربعة أيام، وهي رحلة في طبيعة خلابة وخطرة في الوقت نفسه.
في البدء، تكون مياه المحيط هادئة، وفي ثلاثين ساعة تجتاز السفينة 600 كيلومتر مرورا بمضيق ماجلان وتكمل مسارها جنوبا إلى منطقة يطلق عليها اسم “جادة جبال الجليد” لكثرة جبال الجليد الضخمة فيها.
ومن هنا تتابع الباخرة رحلتها قاطعة ممر ريتشموند الخطر هو أيضا، وصولا إلى ممر درايك حيث يلتقي المحيطان الأطلسي والهادئ.
ويسود على متن الباخرة آري رونجل، الملقبة باسم “العملاق الأحمر” الانضباط العسكري.
ويبدأ اليوم على متنها عند السابعة صباحا، مع الوجبة الغذائية الأولى بين الوجبات الأربع التي تقدم يوميا على متنها.
وتذاع بواسطة مكبرات الصوت بيانات وإعلانات عن النشاطات ومعلومات متفرقة مثل درجات الحرارة والوقت الذي يصمد فيه أي شخص قد يسقط في المياه القارسة البرودة.
ويعمل على متن هذه الباخرة 82 بحارا كلهم عسكريون، وتتوزع مهامهم بين الطبخ والقيادة والميكانيكا والغطس.
ويضاف إليهم 23 مدنيا بين باحثين وصحافيين.
ويمضي البحارة في كل مهمة لمساندة البرنامج العلمي البرازيلي ستة أشهر على متن الباخرة، من أكتوبر إلى أبريل، وينفذون خلالها خمس رحلات ذهابا وإيابا.
درايك أخطر ممر ملاحي في العالم
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
