منذ الأسبوع الماضي ووسائل الإعلام لا حديث لها إلا عن سقوط طائرة الركاب الماليزية التي لم يتم العثور عليها إلى الآن، وكل وسيلة تحاول أن تجتذب أكبر عدد من الجمهور سواء في إضفاء صفة الغموض على هذا الحادث، أو الإيحاء للقارئ أو المشاهد أو المستمع بأن وراء هذا الحادث لغزاً كبيراً وسراً مبهماً، وهو الأمر الذي فتح باب التأويلات والتكهنات التي تدور حول سبب سقوط هذه الطائرة، ويبدو أن مصائب قوم عند قوم فوائد فقد جذب هذا الحدث اهتمام كثير من المتابعين وتفاعلت معه مواقع التواصل الاجتماعي وتبارى الجميع في محاولة الوصول إلى حل للغز اختفاء تلك الطائرة، ولقد تابعت كغيري من الجماهير المتعطشة لسماع الحوادث الغامضة أغلب هذه التفسيرات والتكهنات ووجدت أن أحداً لم يشر إلى ظاهرة الأطباق الطائرة أو يتحدث عن مخلوقات فضائية أو حتى عن مثلث برمودا، ذلك المثلث المرعب الذي طالما تغنت به وسائل الإعلام وعزفت على أوتار غرابته من أجل جذب الجماهير.
ولقد عدت إلى الوراء قليلاً وقلت في نفسي ماذا لو أن هذا الحادث قد حصل في الثمانينات الميلادية؟ ألم تكن تلك التفسيرات هي التي تسيطر على مانشيتات الصحف وعناوين الأخبار مرفقة ببعض شهادات الشهود وبعض الصور الغامضة عن تلك المخلوقات الفضائية التي قد يعتقد أنها وراء اختطاف الطائرة.
ويبدو أن عقليات الجماهير لم تعد تقبل مثل هذه الأخبار المثيرة ووصلت إلى مرحلة من الوعي تؤهلها لفرز كثير من الأخبار غير المنطقية والمضللة، وانتقاء ما تراه متوافقاً مع العقل والمنطق بعيداً عن الغموض والإثارة.
أما في الجانب الآخر فقد اهتم الإعلام المحلي بشقيه الجديد والتقليدي بخبر سحب طائرة جامبو قديمة تابعة للخطوط العربية السعودية من المدينة المنورة إلى مدينة أبها، وذلك لغرض استخدامها كمطعم سياحي هناك.
وفي الوقت الذي كان الاهتمام في حادث الطائرة الماليزية يتعلق بجانب الغموض فإن الاهتمام الذي حظيت به طائرة الجامبو المقطورة إلى أبها هو اهتمام يتمثل في حب الاستطلاع والتساؤل عن مدى الفائدة من إشغال عدد من الدوائر الحكومية والخدمية بمرافقة هذه الطائرة خلال الطريق لتسهيل عملية سيرها؟ ألم يكن من الأجدى أن يتم تصميم مطعم يطابق هيكل الطائرة في مدينة أبها بدلاً من سحب طائرة حقيقية من مدينة إلى أخرى؟ أم أن الجانب الإعلاني والدعائي كان هو المحرض لمثل هذه الفكرة؟ وبما أن هذه الحيثيات قد لا تهمنا بقدر ما يهمنا التناول الإعلامي للحدثين من حيث صياغة الخبر المبني على الغموض في الحادث الأول وصياغة الخبر المبني على الترفيه في الخبر الثاني، في تنافس محموم من أجل الاستحواذ على أكبر عدد ممكن من المتابعين والمعلنين، إنه الإعلام الذي يصنع الحدث.