السماءُ يدٌ ذاهلةْ..
بينما الأرضُ تلك التي تتوسل كفَّ السماءِ
تغَصُّ بطعمِ الرمالِ التي نشِبت في الحُلوقِ

وترتَقُ وجهَ الفضاءِ المجعَّدَ بالرُسُمِ الآفلة.
تصعدينَ.. وتنزلُ
تلتقيان فقط حين تبتعدانِ ..
ويندقُّ بينكما وتدٌ من غيابْ.
تنزلينَ وتصعدُ
أرجوحةُ الدهرِ تُتقنُ خلقَ الرتابةِ بينكما..
فلتكن للبدايةِ سَورتُها..
ولتكن للنهايةِ هذا الفتورُ المؤنَّقُ في اللحظةِ الآخرةْ.

مدخلٌ آخرٌ للقصيدةِ..
موتى يفزِّونَ من دركات السباتِ الطويلِ
وأحياءُ يبتدرون الفَناءَ المؤجَّلَ..
يا مخرجَ الحيِّ من ميّتٍ..
ها هي الظُلمةُ المستبدةُ تُخرجُ من شبقِ النورِ أطفالَها
والصحارى.. تُفتِّقُ عن زبدِ الماءِ أحلامَها
والبلادُ التي ابتهجتْ حينما برأتها يدُ اللهِ
عادتْ لتبدأَ دورتَها من جديدٍ
وتُحصيَ ذرَّاتِها..
والجبالَ/الشِعابَ/النسائمَ
تحفظَ أسماءَها قبل أن تتشابه فيها الحروفُ
وتُخطئَها التهجئة.

لم يجد آدمُ ..حين أسبلَ عينيه فوق البلادِ التي انشعبَت بالدموعِ
سوى خيطِ دمْ .
والدموعُ البدائيةُ الطعمِ
غيماً تمدّد من سفَرِ الرملِ والنارِ صارت
ومدّت لأقصى البلادِ الظلالَ العقيمةَ
والمُشرفونَ على هُوّةِ الدمعِ في عينِ آدمَ
مدُّوا إلى الدمعِ أقداحهم
وتساقَوا وقد شرِقُوا بالتبلُّدِ .. نخْبَ الندمْ.

كانتِ الأرضُ أوسعَ من حُلمِ أبنائها..
والدروبُ طفوليةَ الخطوِ .. تحبو وتكبو
وكلُّ اللغاتِ بلا أجنحةْ.
حينما ارتجّتِ الأرضُ بالصوتِ
وانشقَ في ليلِ صحرائها نهَرٌ من ضياءْ
كحّل أجفانَها بالنُجومِ ..
هنا انكشفي يا سماءُ
ومُدِّي إلى سُرَّةِ الأرضِ حبلكِ
شُدِّي عُرى الوقتِ نحوكِ
وامتحني زمناً آخراً في ضميرِكِ..
للأرضِ أن تتهيأَ للأغنياتْ.

عزفُ (أبرامَ) ما زالَ يهدِرُ كالماءِ..
يعتنقُ الأوديةْ.
عزفُ (أبرامَ) يُعشبُ في القحطِ زهرَ الجِنانِ..وصوتَ الإلهْ.
وذِي الأرضُ مُشرَعةٌ في مداهْ.
عزفُ (أبرامَ) أيقظَ في النُطفِ الغافياتِ الحضورَ
وأذّنَ في الناسِ بالرحلةِ الخالدةْ.
الرجالِ/النساءِ/الشبابِ/الصبايا
وقال: اخلعوا عند بوابةِ اللهِ أسماءَكم واللغاتِ
وألوانَكم والجهاتِ..
أميطوا عن القلبِ أغلاله واللثامَ..
وذوبوا هنا تحت أنوارهِ..انصهروا في شموسِ البهاءِ المقدّسِ
واتّحِدوا في صفاءِ الجسدْ.
عزفُ (أبرامَ) يخفُت شيئاً فشيئا..
ويعلو أزيزُ النشازِ الحديديِّ
بينا يظلُّ الصدى.. تائهاً في المدى.

قبل أن تلِدَ الأرضُ أبناءَها السيئينَ وأعداءَها انفَجَرَت
في عروقِ الترابِ المقدَّسِ جُمجمةُ الذاكرةْ.
والأساطيرُ من نهَرِ المُعجزاتِ تُطلُّ بهاماتها الساحرةْ.
لم يكن بين أن تتخلَّق هذي البلادُ وبين انطفاءاتها
غير هذي المرايا العتيقةِ بين الرمالْ
وشظايا المرايا الأخيرةُ في عُنقِ الذاكرة.

( ربِّ.. ها هاجرٌ أودَعتها يداي ضياءَكَ في تِيه وَحدتِها )
( مَنجنيقٌ يمرُّ سريعاً على كعبةِ اللهِ.. كالشهبِ الغاضبة)
( الحياةُ التي انتبهت فجأةً تحت رجليكَ يا ابنِي.. ستمتدُّ أبعدَ منكَ ومِنّي)
( إلى أينَ.. يا أيها الحبشيُ الجَسورُ ؟ إليها..!!)
( تفتَّقتِ الأرضُ عن جُرهمٍ.. وثُغاءُ الحياةِ / الغريزةِ.. يعلو ويعلو )
( الجَنابِيُ يهذي على سقفِها.. أقبِلي يا أبابيلُ وامتشِقي اليومَ موتاً جديداً.. أنا خالقُ الجهةِ الآخِرة!
أنتَ تُحيي العبادَ .. وليْ أنْ أُميتَ )
( ومحمودُ يشمُسُ في خطوِهِ للإمامِ .. إليها..!!)
( وجُرهمُ قد خبّأَت زمزماً في قتامةِ غاياتِها.. وانتحت وِجهةً للبُغاةِ)
( أنا ربُ هذا القطيعِ من الإبلِ .. رُدَّ إليَّ قطيعيْ..فللبيتِ ربٌّ سيحميه إن شاءَ..!)
( أبرامُ يرفعها حجَراً حجَراً .. إنَّ أوَّل بيتٍ تبارَكه الربُ للناسِ في الأرضِ .. هذا)
( بكم ضاق شِعبُ أبي طالبِ يا كرامُ .. وضاقت نفوسُ الأحبةِ.. ضاق المدى)
(اُعلُ يا هُبَلُ حين تسفُلُ أحلامُنا.. يا مَناةُ ويا اللاتُ.. عِزِّي بعُزَّى التي حطَمَتها يدُ الفاتِحينَ بمكةَ)
(كيف انطوت يا خزاعةُ جرهمُ بين يديكِ وداهمها الطميُ؟)
(زمزمُ يفتحُ عينيه ثانيةً للضياءِ على صلواتِ المعاولِ!)
(حلفُ الفضولِ انقضى يا ابن جُدعانَ..مات الكرامُ الرجالُ..وبات بمكةَ مظلومُها يتهجّى الدعاءْ !)

الجبالُ التي ركَزتْ في بِطاحِ المقدّسِ أطنابَها
ثمَّ نامت طويلاً طويلاً .. هناكَ
تُبعثرها في غبار الزمانِ الكوابيسُ
تصحو وتغفو على هذيانِ التذكُّر..
تنأى.. تُنادي..
فتُطبِقُ كفُّ الغبارِ على فمها..
يا (ثبيرُ ) ويا (ثورُ)
دُلاَّ خطايَ لأوَّلِ ما ركَزَ اللهُ في الأرضِ من وتدٍ
في المقدَّسِ.. أعلى قُبيسٍ
ومٌرَّا على النورِ والغارِ..
مُرَّا على عمرٍ .. وغُرابَ
على جبلِ الكعبةِ انتظرا.. واستعيدا ملامحَ ذاكَ الزمانِ
ولا تنسيا أن تضيئا شموعَ التذكُّرِ في الخندمةْ.

البُروجُ التي انتصبت كالأساطيرِ تلتفُّ حوليَ
أين أخبئُني.. وأنا الغير شيءٍ هنا.. أو هناك؟!
هل ستبقى السماءُ يداً ذاهلةْ..؟
والغبارُ الحديديُ ممتشقاً وجهه الشبحيَّ
بكلِّ البلادِ التي أُوذِنَت بالحدادْ؟
والبلادُ التي قدس اللهُ ذرّاتِها انتبهت فجأةً
حين باغتَها الماءُ والنارُ !
حتى استوت حطباً بارداً
في شتاءاتِ صحرائها القاحلةْ.
والبشيرُ الذي حمّلته التواريخُ قمصانَها الذابلةْ
لم يجدْ حين شدّ رحال التغرب من قافلةْ!