فوق لوحة أنيقة، كان هناك سهم يشير، وبجواره كتابة بحروف أنيقة «المتحف العالمي للعبودية».
كنا قريبين جدا من ألبرت دوك..موقع التراث العالمي، حسب اليونسكو، وحيث يمكنك «التمشية» عبر مخازنه التي كانت الأولى من نوعها في العالم، بعدما تحولت لمطاعم أنيقة ومحال للهدايا.
كنت أقرأ هذه اللافتة وأجاهد حتى لا أفغر فمي كأبله، ولكن رفيقتي الإنجليزية لاحظت نظرتي المندهشة، وقالت لي: «ألم تعلم أن ليفربول كان ميناء العبودية الأول في العالم؟»قلت لها: لقد سمعت أنه بالفعل الميناء الرئيس الذي كان يرسل العبيد إلى أمريكا، والذي كان يستقبل العبيد المختطفين من أفريفيا..في عام 1699، أبحرت أول سفينة عبيد «مسجلة» من ليفربول تحت اسم «تاجرة ليفربول» لخطف بعض الأفارقة المساكين، ثم إلى باربادوس حاملة 225 بائسًا..أعلم ذلك، ولكن فكرة أن يقام «متحف» لـ«العبودية» كانت فكرة مربكة بالنسبة لي، كنت أضع كلمة متحف في سياق إيجابي دائمًا، بمعنى أن هناك ما يستحق عرضه في هذا المكان، مصحوبا بالإعجاب والتقدير.
وافقت رفيقتي على التعريف التلقائي، ولكنها أضافت «أو مصحوبا بأسف ورغبة في التعلم وعدم تكرار الأمر».
بالفعل هناك في متحف العبودية العالمي ما يستحق عرضه، وما يستحق أن تشعر بالأسف حياله.
في عام 1715 كانت مدينة ليفربول صاحبة الميناء المائي الأول في المملكة المتحدة، ومحتكرة %40 من تجارة العبيد في العالم، و %80من تجارتها عبر الأطلنطي.
ازدهرت المدينة حتي غطت على ما عاداها في بريطانيا، وفتحت أول قنصلية أمريكية في الخارج بها في عام 1790، ووصل الموضوع إلى نقل 45 ألفا من الأفارقة إلى «العالم الجديد» في أواخر عام 1799.
عندما تمشي في ليفربول، ستلاحظ الوجود الملحوظ للبريطانيين من أصول أفريقية، ويمكنك فهم ذلك في ضوء الإحصائيات السابقة، ويمكنك أن تضيف عليها أن تعداد الأفارقة بلغ 10 آلاف أفريقي خلال خمس سنوات فحسب من افتتاح الميناء المائي في ليفربول.
كانت هذه التجارة القذرة هي التي جعلت ليفربول أشهر وأغنى مدن بريطانيا في هذا الزمن، ويبدو أن متحف العبودية هو محاولة للاعتذار.
على كل، ألغيت تجارة العبيد في بريطانيا في عام 1807، ولكنها لم تنته تماما قبل عام 1838، ولكن انتهاءها لم يكن نهاية لدور ليفربول كميناء رئيس، فقد مد أول خطوط السكة الحديدية في العالم ما بين ليفربول ومانشستر من أجل تجارة القطن، واستمرت المدينة في الازدهار، ضامة إلى سكانها جالية أيرلندية كبيرة.
يبدو طريفا أن تعلم أن سفينة «التايتانيك» قد انطلقت إلى مصيرها المحتوم من ليفربول، وأن اسمها الرسمي هو «تيتانيك - ليفربول».
في يومنا هذا تعتبر ليفربول من أكثر مدن إنجلترا تعددا ثقافيا وعرقيا، الأفارقة والهنود واليمنيون والكاريبيون، وبالطبع الصينيون..يشكلون كوزموبوليتانية حقيقية تذكرك بماض بعيد لميناء آخر ضخم ومهم في بلادي: الإسكندرية.
وكمدينة كوزموبوليتانية، لم يكن عجيبا أن تكون حياة ليلها الأجمل والأضخم في كل بريطانيا، متقدمة على لندن ومانشستر، فبعيدا عن تلك الظلال الثقيلة لماض تكفر ليفربول عنه، فهي بالنسبة لعاشق للموسيقى مثلي حالة استثنائية، فكمية الفرق التي صعدت إلى العالمية والشهرة في ليفربول جعلتني أسميها «مافيا ليفربول».
وجعلت موسوعة جينيس ريكوردز تسميها «عاصمة العالم للبوب».
لقد بدأت موسيقي الـ Beat في ليفربول، ومنها انتشر ما عرف في سني الستينات بـ «الغزو البريطاني»، والمقصود انتشار الفرق البريطانية وتسيدها عالميا.
حاول أن تتذكر معي: البيتلز، جيري آند ذا بيس ميكرز، بيلي فيروي، فرنكي جوز تو هوليوود، ايكو آند ذا بانيمين، وغيرهم كثير مما يضيق عنه البيان.
لم يكن عجيبًا أبدا بالنسبة لي أن أعلم أنها كانت عاصمة أوروبا الثقافية في 2008.
وغير بعيد من متحف العبودية العالمي، كان هناك متحف البيتلز..ابتسمت لرفيقتي الإنجليزية وقلت لها: «هذا هو متحف مما عهدت».
ضحكت وهزت رأسها مؤمِّنَة.