أذكر، رغم بُعد العهد، أين أخذتني قدماي، منذ اليوم الذي جلست فيه أمي في جهة من الغرفة وأبي في الجهة الأخرى منها، يشجعان بطولتي المنقطعة النظير.. يبسطان الأذرعة وأنا أتهادى مثل «تُكْتُك» بائس متهالك يحذف من الاسفلت إلى «رصيف نمرة خمسة»، يحتاج إلى ترصيص كفرات ووزن أذرعة!
أول الخطوات.. كانت مزيجًا من الخوف والفرح، خوف السقوط على الأرض، وفرح بتلك الحفاوة البالغة والتصفيق المدوي لهذا «الريبوت» الصغير الذي يسير على الأقدام بدلًا من «الحَبْو» على الرُّكَب..
وقد سترها الله الذي نجاني من أول خطواتي على الأرض، وأنا أتعلم المشي على رجلين..
حتى الخطايا لها خطوات ياولدي:
يا ألله.. ما أكثر هوى النفس وتخبطها بين صعود اختياري وهبوط اضطراري!
«يا ماشي الليل فين رايح.. تزل حارتنا بالعاني.. تراك مقروع بالموجب.. في هادي الحارة خلّاني».
....
«روح.. الله يستر عليك»!
دعوة طيبة يحتاجها كل الناس.. فليس في الدنيا أسوأ من كشف الحال من الميل بعد اعتدال.. لكن بعض البسطاء من الدراويش يتشككون فيمن يقولها لهم.. يظنون أنه يغمزهم ويتهمهم بمنكر فعلوه في رابعة النهار.. فينبري المخاطب لصاحبه قائلًا «يستر عليك إنتَ».. يكيل له ما يلزم بل «يرد الصاع صاعين»، ويخرج له من المستودع بعضًا من الأسماء الخمسة مرفوعة بالواو «أبوكَ.. أخوكَ.. حموكَ»..
يكتفي في الغالب بهذه الثلاثة.. ويحذف الـ»فو» مع أن الفم هو سبب المشكلة.. أما الاسم الخامس «ذو» ومثاله «ذو مال» فلا يأتون على ذكره في السياق، لأن الناس في تلك الأيام «فلوسهم على قدّهم».. وإن ذُكِر دعوا له بالنماء والزيادة، «يطمعون» في خيره أو «يكتفون» شرّه!
هذا كل ما في الأمر.. «الله يستر عليكم».
"أبوكَ.. أخوكَ.. حموكَ"!
يحيى باجنيد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
