فرض الشاعران الراحلان محمود درويش، ومحمد الثبيتي حضورهما الطاغي شعرا على أمسية نادي الأحساء الأدبي، التي شارك فيها 3 شعراء، بمناسبة يوم الشعر العالمي أمس الأول، ومن غير موعد توحدت أولى قصائدهم في رثاء الراحلين، فلم يكن «حصان درويش» وحيدا في مرثية الشاعر إبراهيم الوافي، بل مُحمحما في أبيات الشاعر السوري موفق المختار، ومتصدرا ضبح العاديات في قصيدة الشاعر عبدالله الخشرمي، وتذكر الجميع أبيات درويش «فالموتى سواسية أمام الموت لا يتكلمون»، ولكن الشعراء استنطقوه مرارا.
الشعراء الثلاثة الذين وصف شهرتهم مقدم الأمسية الشاعر جاسم عساكر بـ»المليئة بالضوء حد الدهشة»، كانوا كذلك مع بدء الأمسية وأثناءها، بعيدين عن التقليدية، عاشقين للأوجاع، فقد اختار الشاعر موفق البدء بجراح سوريا، ففاجأ الحضور بتقديمه الشكر لوالده الحاضر في الأمسية، والذي نجا من الموت قبل أسبوعين حين فر من مذبحة شهدتها منطقته، حينها استشعر الحاضرون أن الأمسية ستبدأ برمي الشرر عليهم، وسيكون الشاعر حزينا، ولكن موفق تعامل مع مفردات القصيدة بقالب شعري جميل، بعيدا عن العاطفة الكلاسيكية، ولم يستسلم لألم جراحه كما أنه لم يترك الجمهور دون دموع في قصيدة «مخيم»، على لسان طفل لاجئ:يا أمي سئمتُ الخبزَ منقوعاً بماءِ السيلِقودينا إلى البيت القديم أظنه الفردوسَ رغم حريقه الطاغيوكل الأرض خارج بيتنا الغالي جهنمإبراهيم الوافي تفنن في تعذيب محبيه عبر القصائد القصيرة، ذات المعاني الموغلة في الرمزية تارة، والوضوح تارة أخرى، تاركا وراءه نصوصا حية تغوص في الأعماق، والتي تستمر في الهطول حتى بعد انتهائه من إلقائها، مستفيدا من تلك الرمزية في توظيف المعنى المتعب، ليمتحن مستمعيه بتلك الرصاصات الصديقة، التي يطلقها ويشغلهم بها.
أما الشاعر عبدالله الخشرمي فاختار أن يلقي قصائده من الذاكرة دون الالتفاتة إلى الورق، بعيدا عن «ذاكرة أسئلة النوارس» و»الملحمة الخشرمية»، ظهر واثقا تماما من خلال تجربة متمردة مع شهوة الطين:

ما تبقى من الدمع

فوق رفاة كتابي

أرى شهوة الطين

تجتر أحبابنا، والأماكن تنسى

ملامح سكانها

أمطري يا دهور

حكايا الذين مضوا.

الأمسية خلت من القصائد العمودية، واستحوذت التفعيلة على الجو كاملا، وفي ختامها أكد رئيس النادي الدكتور ظافر الشهري أن الشعر لم يتوار ولم يمت في ظل الحضور الطاغي للرواية، وسيبقى هو الوهج الأقوى في تراثنا الأدبي.