جمعني الحديث برجل فاضل متزودٍ بثقافة فقهية عالية؛ وعرّجنا على بعض الأمور ومنها «ثقافة الجنائز»! وقد فنّد لي بالدليل خطأ الكثير من الممارسات المرتبطة بهذا الأمر! ومنها الكلفة العالية التي يتحمّلها أهل المتوفى في إطعام أفواه عباد الله «المعزين»! وكيف أصبحت هذه الثقافة من الأعراف الشائعة فيما هي تنحاز للتطفل وتخالف التوجيه النبوي الحاضّ على المبادرة لإشباع جوع أهل الميت لا العكس! وكيف أن الأمر -بسوداويته- قد استفحل وصولاً للتبذير المنهي عنه تعزيزاً لـ»ثقافة التباهي» حين يضطر الورثة للاستدانة لـ»تشريف» ميّتهم الذي لن يكون أقلّ مكانة بالطبع من «الميّت فلان» -الذي سبقه للرفيق الأعلى- وذُبح في عزائه مئة «كبش» على مدار ثلاثة أيام حسوما دارت فيها «أقداح» الشاي والقهوة!قلت بطيبة خاطر: الملاحظ -بالرغم من غلاء المعيشة- إن الجيران لا يقصّرون فيشتركون في مساعدة أهل الميت في استقبال «وفود المعزين» وإطعامهم! فبادرني بأن هذا الفعل أيضاً تشوبه شوائب! وأصبح مدعاة للتباهي أيضاً! وصولاً لأن يندب الورثة شخصاً مهمته تسجيل عدد «الذبائح» -التي جلبها الجيران- ليعيدوا «الجميل» في حال انتقل قريب لهم للدار الآخرة!انفضّ حديثنا قبل الخروج بحلّ وسط! وأشغلني الأمر فقلت لنفسي: إننا نعيش ثقافة متعاكسة! فصالات أفراحنا -التي يفترض فيها تحقيق البهجة- تحولت إلى ما يشبه المآتم! فالهدوء يعمّ المكان؛ فيما «المعازيم» يوزعون «النحنحات» والانشغال بتعديل «أشمغتهم» أو الغوص عميقاً في شاشات «جوّالاتهم» أو ترديد الاستغفار بصوتٍ مسموع؛ ولا يتغير الوضع إلا بدخول العريس فيهبّ الجميع لتهنئته برتابة وكأنهم يودعونه لمثوى فرحه الأخير! والكثير من «قصور الأفراح» تمنع عنوان الفرح الأبدي من المشاركة وهم الأطفال سعياً لعدم تعكير جو السكينة القاتم! أمّا في «الجنائز» فالأمر مختلف حين تتعالى «القفشات» والضحكات لما فوق الساقين أحياناً! ولذا ليس من المستغرب أن ينتصب «المعزي» المتطفل قائلاً بصوتٍ جهوري -بعد التهامه لطعام اليتامى-: عظّم الله أجركم؛ فيأتيه صوتٌ مبحوح من أقصى زاوية لسرادق العزاء: بالصحة والعافية؛ و»استروا ما واجهتم»!!