عاجل
زلزال بقوة 4.6 درجات يضرب قبالة سواحل بيرو
ENعن الصحيفة
صحيفة مكة
الرئيسيةالبلدالعالمأعمالمعرفةالملعبالرأيعلميةمجتمعفيديو
صحيفة مكة
  • اتصل بنا
  • من نحن
  • RSS
  • الأرشيف
  • تدريب وتوظيف
  • السياسة والخصوصية

أقسام الموقع

  • موضوعات خاصة
  • مبادرة مستقبل مكة
  • إنفوجرافيك
  • كاريكاتير
  • معرض الصور
  • فيديو
  • علمية
  • مجتمع

إشترك في صفحتنا الإخبارية

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة مكة المكرمة

في معرض الكتاب | صحيفة مكة
الرئيسية

في معرض الكتاب

محمد الدبيسي4 دقائق للقراءة
في معرض الكتاب
حجم الخط
حرَّكت الغَيرة على الدين، مجموعة من الشبان إلى أن يُغِيروا على إحدى دور النشر في معرض الكتاب، وهم يتنادون بحماس وقاد إلى تخليصها مما رأوه رِجْساً يجب حماية الناس منه وتخليص رواد المعرض والقارئين من تبعاته. ولا تنتمي تلك الثلة من الشبان إلى دائرة أو مؤسسة حكومية رسمية، أَوكل لها النظام القيام بمهمة كهذه، ولكنهم ينتمون إلى فكر يملك المنتمون إليه اختيار الطريقة التي يرونها لممارسة ما يرونه واجباً عليهم. والمشهد الذي تناقلته وسائل الإعلام عن تلك الحادثة، لا يعكس بحال الطريقة السليمة التي تتم بها معالجة الخطأ أو التجاوز المفترض وجوده.
فالجهة المنظمة للمعرض جهاز من أجهزة الدولة ومؤسساتها الرسمية، ذات شخصية اعتبارية لها هياكلها التنظيمية، وأجنحتها التنفيذية، ومسؤولوها المناط بهم أمر إقرار ما يُعرض وما لا يُعرض.
وقد بذل أولئك جهداً مضنياً ليكون في بلادنا تظاهرة ثقافية اسمها (معرض الكتاب الدولي)، وما يحصل في المعرض سنوياً من وصاية يفرضها أشخاص خارج الدائرة المؤسَّسية الرسمية لا يمكن قبوله. وربما أفرز ردة فعل سلبية لدى الناشرين المشاركين من الخارج. وإذا كانت التظاهرة الثقافية في جوهرها ومظهرها خاصة بالكتاب، فذلك يعني المعرفة، ويعني التنوير، ويعني رقي التعامل وحضاريته، ويعني النظام والالتزام والمدنية.
ولكن أن تصبح كل تظاهرة ثقافية لدينا عُرضة لفورة أو غضبة من الغيورين على ما يرونه منكراً، فلهذا المنكر جهة رسمية تنهى عنه وتردع من يريد اقترافه، بشكل يُفترض أن لا يتجاوز الحد في النيل من الآخرين، وبدون السعي وراء فوضى تتحول إلى عمل بطولي في ظن من يقوم به أو يشارك فيه.
أما ما اختلف عليه، وهو جملة في ديوان الشاعر العربي محمود درويش، فلا يستحق كل هذا التجييش. وإلا فنحن مطالبون، بقراءة كل سطر في كل كتاب من عشرات آلاف الكتب المعروضة لتنقيتها من (....) وليس هذا واردا منطقياً أو علمياً. ناهيك عن فساد جذر الفكرة ودواعيها.
فذهنية المنع والقمع لم تعد مجدية في هذا العصر، فلا حُجُب تمنع من أراد أن يقرأ - أن يقرأ ما شاء، لمن شاء. وقت شاء؛ إلا إذا كانت الوصاية تمارس بأثر رجعي.
والإخوة الغيورون الغائرون، يعلمون أن المكتبة الالكترونية ودور النشر الرقمية لا يمكن الوصاية عليها، ويعلمون أن جملة في ديوان شعر لن تغير عقائد الناس، ولن تنال من الدين، وهم يعلمون أن الهدف من هذه الغارة ليس (درويش) ولا شعره، ولكن إعادة الاعتبار لفكر يتهاوى، وظواهر تتقلص، وممارسات أضحت دوافعها مكشوفة. ويعلمون درجة حياء- أوضعفاً توهموه في- الجهة التي يخترقون دائرة اختصاصها، ويعلمون أنهم يستقوون بظلال فكرة لا زالت مستحكمة في الذهن الجمعي-ذهن وإن كان يرفضها فكرياً، فهو يقبلها نفسياً، والعكس صحيح.
وفي الذاكرة الثقافية المحلية أمثلة لهذا النوع من الممارسات. فقبل ثلاثة عقود، منعت أمسية شعرية احتفالية بالشاعر محمد الثبيتي، في نادي جدة الأدبي، كان وراءها آباء أولئك الشبان فكراً وتوجهاً ومقاصد.
ومن ثم فالفكرة أصيلة لها جذورها الراسخة في عقل هؤلاء. ولم يكن يومها ثمة معرض للكتاب، ولم يكن الحزم في التعامل مع أصول ومظاهر الفكر الإقصائي المتحجر وتجلياته الفوضوية قد ظهر وتبنته الدولة، وخبره الناس. وطوال السنين اللاحقة منذ تلك الأمسية تتطاير تحركات هنا وهناك من النوع ذاته، كان أوسعها وأكثرها حضاً في الانتشار، ما يحدث كل عام في معرض الكتاب.
وإذا كنا لا ننازع وزارة الثقافة في اختيار ما نراه مناسباً في التعامل مع مثل هذه الظواهر والحوادث، ولا نملك حق توجيهها إلى ما نراه وجيهاً في حماية أنشطتها من وصاية وتدخلات مثل هؤلاء؛ فإننا في الآن ذاته ونحن من رعاياها. نتمنى أن تكون صورة مثل هذه التظاهرة خالصة من تدخلات ووصايات المتحمسين حماسة لا يعرفون في أي اتجاه يصرفونها؛ بعد أن ضاقت بهم سبل تصريفها؛ ولذلك استضعفوا هذه التظاهرة، واستضألوا قيمة وقيم المعرفة والكتاب؛ وراحوا ينازعون القيمين عليها مسؤولياتهم، ويثيرون الفوضى في فعالية ترعاها الدولة، وتشرف عليها مؤسساتها.
نريد المعرض محققاً للأهداف والغايات العليا التي يقام سنوياً لأجلها، والتي لا تتوقف عند تسويق الكتاب، والاحتفال به وبالكتَّاب والمثقفين.
لأن فلسفة الكتاب والمعرفة، هي أداة تلك الغايات ووسيلتها، انتصاراً على الجهل ونبذاً للفوضى، وبراءة من الإقصاء، وتسامياً في السلوك، وأدبا في الاعتراض والاختلاف، وإغناءً للجوانب الوطنية المشرقة انتماءً. وحفاوة بالآخرين الذين يأتون بكتبهم إلينا، فإذا بهم يحاصرون بكتيبة من الغيورين الذين ربما لا يعرفون شيئاً عن ماذا يعنيه الكتاب، أو ماذا تعنيه المعرفة.
شارك هذا المقال
XWF