الصورة الأولى لقصاصة صحفية بمانشيت ضخم: (مدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد الاقتصادية بحائل على قائمة المدن الاستثمارية العالمية)، وعنوان فرعي (تستقطب 30 مليارا و30 ألف فرصة عمل جديدة)، والآن بعد مضي أكثر من سبع سنوات عجاف مازالت قاعاً صفصفاً، أي بالعامي (بح)، يا نزاهة.. المدينة افتتحت في 13 يونيو عام 2006، وبعد ذلك اختفت، ربما أكلها الذئب ونحن عنها غافلون، فهاتوا على الأقل (قميصها) أو ابحثوا عن البئر، إذ لم يكن التقطها بعض السيارة!
أما الصورة الثانية فهي لآلية الدفاع المدني في ساحة الاحتفالات وهي تغوص حتى ركبتيها في أرضية الجامعة بعد أن تجاوزت البلاط، و»غرزت» في الفناء. تبرير الجامعة، حسب البيان الذي ورد من المتحدث الرسمي، الأستاذ ياسر الكنعاني، يبرئ ساحة الجامعة ويحمّل التصرّف الفردي لقائد الآلية، حيث إن المكان الذي عبرته الآلية مخصص للسيارات الصغيرة فقط، وهو تبرير لو قرأه مهندس لم يتجاوز سنته الأولى في العمل لكتم ضحكته ولم يُعلّق.. وبالتأكيد لن أُعلق أنا!
لكنني سأطرح سؤالاً بريئاً كبراءة إخوة يوسف: ماذا لو حدث حريق – لا سمح الله – هل من المنطقي أن نقول يجب على سيارات الإطفاء أن تلتزم بالممر الخارجي وتبتعد عن الأماكن المخصصة للمشاة والسيارات الصغيرة؟!
بين الصورتين أعلاه مساحة هائلة يستطيع (جمل) نزاهة أن يلج من (سَم الخياط) الهائل، مساحة من الحُلم الذي وئد، وأنا الذي سلب مني الفساد صفة اكتسبتها (وراثياً)، أعني (سعة الصدر)، فإنني لا أطلب أن ترمي نزاهة بقميص المدينة على عينيّ كي لا أرى الكثير مما يجعلني أندم على عودة بصري، لكنني وأنا بكامل تفاؤلي أعلن أنني أتخلى عن هذا الحلم، مقابل أن يتم تسليم الأرض المقام عليها حلم المدينة الاقتصادية إلى هيئة الحماية الفطرية، على الأقل كي نشعر أن هنالك فائدة من رؤيتها جرداء عارية لا تسر الناظرين ولا المكفوفين أيضاً، وبنفس الوقت كي تلفت نظر العقاريين ويتم (تشبيكها) بليل، أو تُعلن نزاهة أن (التشبيك) لا يدخل ضمن اختصاصها فتحوّل الموضوع (لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر)، ولا سيمّا أن الأرض بشكلها الحالي (العاري) هي فتنة لمن في قلوبهم حُب للاغتصاب، وها أنا أُمارس فضيلة الاحتساب بسؤالِ لنزاهة: هل ثمة فساد سرق المدينة الاقتصادية، أم إن المشروع أُلغي بقرار سام؟ على الأقل أخبرونا بوفاتها كي نيأس ونتقبّل بها العزاء، لأننا مللنا – للأمانة – من ترديدنا وتحفيزنا عن أخبارها حتى أضحينا نردد بلغة تقترب كثيراً من ألم اليأس: ولمن جاءنا بخبرها حمل بعير!
وعوداً على بدء، فسر أرض المدينة الصناعية اليباب يكمن تحت بلاط الجامعة المنزوع، وآلية الدفاع المدني من غير قصد وقعت على الكنز، فالسر مختبئ دوماً في «البلاط»، أو تحته، وأحياناً في كنفه وبرعايته، من «بلاط» الجامعة يبدأ الخيط أو «الحبل» الذي يمر في البنية التحتية في المدينة، ولا ينتهي في الطرف الآخر حيث المكان المخصص للمدينة الصناعية. الخيط أو الحبل لم يعد سراً بحاجة للتحري والتدقيق والبحث، أصبح المواطن العادي يراه بوضوح ويتعثّر به في طريقه اليومي، بل إنه بدأ يعتاد على التصالح معه، وهنا تكمن الخطورة، أن يصل المواطن لدرجة ألا تلفت نظره الأرض الفضاء -غير المدينة الصناعية- التي أُقيمت عليها مشاريع عملاقة على الورق فقط، وسُلمت هذه المشاريع العملاقة وما زالت أرضها (بيضاء)، فتلك كارثة اقتصادية وأخلاقية. التباطؤ هو الذي يخلق مواطناً متواطئاً مع الفساد، بل جزءا منه دون أن يشعر حتى يصل لدرجة القناعة بجملة الأصدقاء الساخرة: (الناس وصلت، وأنت ما تزال تحاول إصلاح العالم)، لا أُزايد على أخلاق أحد، لكنني -ربما- قريباً سأكتب سلسلة مقالات لشكر (كُل) المسؤولين!

