ويستمر الغموض الذي يلف الخبر. لم أعرف في حياتي مثل هذه الحادثة من حيث مأساة الغرابة. فكروا بمعاناة أقرباء ركاب الطائرة المساكين. هم لا يتحملون فقط ضياع 239 من الركاب المسافرين وأعضاء الطاقم على متن الطائرة الماليزية المفقودة. عليهم أن يتحملوا أيضا ألم انعدام اليقين حول مصير الطائرة والركاب الذين كانوا على متنها.
لم أشهد طوال حياتي كارثة أضعنا فيها كل هذا العدد من الناس كل هذه الفترة. لا نعرف حتى الآن في أي محيط أو قارة قد يكونون. قد يكونون في أي مكان في قوس ضخم يغطي آلاف الأميال. ليس الأمر يتعلق فقط بمن فعل ذلك، ولكن أيضا لماذا فعل ذلك. كنا نعتقد أننا نعيش في عالم يستطيع الجميع فيه أن يروا كل شيء. ولكن الآن نعلم أننا نعيش في عالم كبير لدرجة أن طائرة ضخمة مثل بوينج 777 يمكن أن تختفي دون أثر!
من خلال متابعة التطورات الأخيرة، يبدو أننا بدأنا نميل نحو نظرية وجود شكل من أشكال التدخل الإنساني بعيدا عن المراقبة. في لحظة ما قبل أن يقول قائد الطائرة جملته الأخيرة “تصبحون على خير”، يبدو أن أحداً ما كان قد أوقف أجهزة الاستجابة وبرمج الطائرة لتقوم بدوران نحو الشمال فيما كانت تغادر الأجواء الماليزية. ولكن حتى لو كانت تلك المعلومات حقيقية، ما زلنا نجهل ما حدث. لو كان الأمر يتعلق بعملية انتحارية للطيار، فلماذا تحولت الطائرة باتجاه جزر أندامان؟ الأدلة من نظام الاتصالات مع الطائرة تظهر أن الطائرة ربما حلقت لمدة ساعات، بعد أن عطل أحدهم الاتصالات. لماذا يفعل ذلك إذا كان الطيار انتحاريا؟
في جميع الأحوال، لا يبدو أن الطيارين كانا من النوع الانتحاري. أحدهما متزوج وعنده ثلاثة أطفال؛ والآخر يبدو أنه كان على وشك الزواج. لذلك قال البعض إن المهمة قد لا تكون انتحارية ولكن إرهابية، إما من قبل أحد الطيارين أو كليهما، أو من قبل راكب أو أكثر، أو مزيج بين الاثنين. هذا التحليل يبدو أنه يتماشى مع البيانات التي تشير إلى أن مسار الطائرة كان غريبا – حيث كانت الطائرة ترتفع وتنخفض بشكل مفاجئ. يمكن أن يتخيل المرء نوعا من الصراع داخل غرفة القيادة، أو محاولة متعمدة لقتل الركاب عن طريق إزالة الضغط من الطائرة.
ولكن إذا كان هناك دافع إرهابي وراء اختفاء الطائرة، فلماذا لم يتم تحديد أي جماعة؟ مر اليوم حوالي عشرة أيام منذ اختفاء الطائرة؛ العالم كله يتحدث عنها. من المؤكد أن الجماعة الإرهابية ترغب باستغلال الدعاية للحادثة إلى أكبر حد. وإذا لم تكن العملية إرهابية، من المسؤول عنها؟ من الواضح أن أحداً ما قرر إغلاق أجهزة الاتصال ويحرف الطائرة عن اتجاهها. يبدو أن هذا يلغي العديد من التفسيرات البديلة التي تتم مناقشتها حول العالم. البعض يقولون إن الأمر قد يكون خطأ من قائد الطائرة وإنه غاب عن ذهنه أنه إذا استمر في سحب عصا القيادة إلى الخلف فإن الطائرة سوف تتوقف وتسقط. هناك حتى من يقول إن الطائرة ربما أُصيبت بنيزك، وربما ضاعت بسبب الأجواء الغريبة. هذه البدائل غير مقبولة لدى مقارنتها مع أدلة الرادار بأن الطائرة كانت بعيدة عن مسارها بمسافة كبيرة؛ وأنها إذا بقيت على المسار الصحيح، فليس هناك حطام طائرة في المناطق المتوقعة.
في هذا الفراغ يقدم أصحاب نظرية المؤامرة الإجابات. يدعي البعض أن الطائرة ابتلعتها مركبة فضائية، وربما اختطفتها كوريا الشمالية، أو سرقها “المتنورون”.
جميعنا نعرف أننا سنعرف الإجابة في النهاية، وجميعنا نعرف أن الجواب النهائي قد لا يعزي أهل وأصدقاء الركاب والطاقم. ولكن في نفس الوقت، أجد شيئا إيجابيا من مجرد حجم التوقعات الدولية – لأنها تبين أن الجنس البشري لا يزال مليئا بالأمل.
ما هو أهم من كل ذلك، هذه أول مرة أستطيع أن أتذكرها أجمع فيها الجنس البشري كله على تعاطفه وقلقه من أجل الآخرين.
فيما يتتبع الناس في شتى أنحاء العالم أنباء الطائرة الماليزية المفقودة MH370، بكل تفاصيلها الدقيقة، نرى كيف أن شبكة الانترنت وقنوات الأخبار التي تبث على مدار 24 ساعة حولت الـ200 دولة في العالم إلى شعب عالمي واحد، بطريقة بعيدة لم نرها من قبل.
* ديلي تليجراف