لوْ كان الشِّعْر تَأَوُّهاتٍ يبعثها قلبُ عاشقٍ لكان كلّ النَّاس شعراء!هذا ما قلتُه لصديقي الَّذي ينظم الشِّعْر ويُلِحّ عليَّ في أنْ أَمْحَضَه الرَّأْي فيما يرصفه مِنْ كلمات، وكنتُ كلَّما التقينا أتعمَّد أنْ أخوض في كلّ الشُّؤون إلَّا ما كان مِنْ أمْر الشِّعْر، ولكنَّه، لأنَّ الشِّعْر يطغى عليه، يأْبَى إلَّا أن يُسمعني جديده، ثمَّ لا يكتفي بذلك، ولكنَّه يستبدّ بي، ويُرِيدني على أنْ أقول شيئًا في شِعْره، فأعمِد إلى أخفّ الضَّرر، وأعتذر بأنَّ النَّقْدَ أَمْرُهُ أعمقُ مِنْ أنْ نسوق بين يدَي القصيدة رأيًا عامًّا، إنْ أرضى الشَّاعر فهو لا يُرْضي الشِّعْر ولا النَّقْد.
والشِّعْر لا نَحْسبه شِعْرًا بما انطوَى عليه مِنْ عاطفةٍ متأجِّجةٍ، ولا بمقدار ما أُهْرِيق في كلماته مِنْ دموع، فالعاطفة والدُّموع إنْ لمْ يستحيلا إلى نِظَامٍ مِنَ اللُّغة بديعٍ، لا يستحقَّان أنْ نَحُدَّ الشِّعْر بهما، وإنَّنا لوْ فعلْنا ذلك لجعلْنا الكلام كلّه شِعْرًا وما هو بِشِعْر، ولاستوَى في صَنْعة الفنّ شاعرٌ أذاع في النَّاس شِعْره وشابٌّ هجرتْه حبيبته فبكاها بكلام رَخْصٍ لَيِّنٍ يذوب شوقًا ولوعةً، وربَّما قرأْنا كلمات ذلك الشَّابّ وأحسسْنا ما حَكَّ في صدره مِنْ عاطفة، ورجوْنا له السَّعادة في حياته، ولعلَّ هذا الشَّابَّ إذا ما صادَف قصَّةَ عشقٍ جديدةً كُلِّلتْ بالنَّجاح- سينسَى كلماته الحَرَّى تلك، ويأْسَى على تلك الكلمات الَّتي لَسَعَه ما فيها مِنْ بُرودة، وقدْ ظنَّها، في يومٍ ما، سعيرًا يحرق الأوراق!هذه العواطف الموهومة الَّتي نضحك لها اليومَ، وربَّما نأْسَى لأصحابها مِنَ الشُّعراء، كَلَّفَتْ، قَبْلَ عقودٍ مِنَ الزَّمان، فلاسفةً ونُقَّادًا وشعراءً جهدًا وصبرًا ونضالًا كي يقولوا للشُّعراء وللقرَّاء معًا: إنَّ الشِّعْر ليس عاطفةً، فمِنَ النَّاس مَنْ هو أشدّ عاطفةً مِنْ أعظم الشُّعراء، بلْ إنَّ إليوت ذاعتْ عبارته الَّتي رجا مِنْ ورائها هَدْم الرُّومنْطيقيَّة: «الشِّعر ليس عاطفةً، بلْ هو هروب مِنَ العاطفة»، وبَعْدَه، كمْ قال ناقدنا العربيّ محمَّد مندور في قبيلة الرُّومنطيقيِّين العرب: إنَّ الشِّعر ليس «طَرْطَشَةً في العاطفة»، وإنَّ الشِّعْر العظيم لا يقال إلَّا إذا سَكَنَتِ العواطف، «وتَهْدَأُ حَدَقَة العين فتستطيع الإبصار»!
طَرْطَشَة
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
