حدودنا مترامية الأطراف، يتسرب من مناخلها دقيق المتسللين، فيختلط بشوائب العمالة الهاربة.
وما إن توقفت حملة التسفير حتى عاد تسرب مجاميع عظيمة منهم، وخرج البقية من مخابئهم ليعاودوا لعبة «الهروب والاختباء والإمساك».
والأضرار الاجتماعية والسياسية والأمنية، التي تصاحب تلك اللعبة كثيرة منها ما هو جلي، ومنها ما يخفى.
والمخالف لاعب «اختباء» محترف تنامت قدراته بمعاصرة حروب أو ثورات أو ضياع أمن حدثت في بلاده، أو من عوز واستبداد وظلم حرمته اللقمة والغفوة.
وهو إما أن يكون كيانا بائسا مطحونا يستحق الشفقة والرعاية، وإما أن يكون بؤرة للشرور، يسعى من وراء اللعب لجريمة أو إرهاب أو تهريب أو ترويج أو متاجرة بالبشر، فيصبح خنجرا مغروسا في خاصرة البلد، وربما يستحيل مكانها لتورم سرطاني.
وأثناء لعبه مع القانون، يستدير على النظام، ويراوغ في الظلام، فلا يعود الإمساك به سهلا، ويتمادى في الغش.
منازلنا صارت بعد الحملة التصحيحية مخابئ للمخالفين، وسماسرتهم يتبارون في استنزافنا، وشوارعنا يجول فيها المتسولون، والممنوعات بأنواعها تدار بأيديهم، وتصل حتى إلى مدارس أطفالنا، وسيارات نقل النساء المظللة مخابئ لعب آمنة باسم القانون!الجهاز الأمني المركزي في داخل المدن والقرى أصبح عاجزا عن مواصلة اللعب، مع استمرار وتعاظم خبرة المتسللين من حدودنا الطويلة، التي لم يكن ينفع فيها نظام المراكز الحدودية ولا التشبيك والدوريات، وكان من المفترض اعتماد بناء الجدران العازلة المنيعة المزودة بوسائل المراقبة الذكية بالأشعة الحرارية وما تحت الحمراء، وبالمتابعة الحريصة على مدى الساعة، وزيادة إمكانات وتعداد ضباط وأفراد حرس الحدود وخفر السواحل، وتدعيم أعداد موظفي الجمارك، وتحسين أوضاعهم الوظيفية.
وزارة العمل اكتفت بلعبة الترحيل البطولية، ولم تفكر في صنع البدائل الميسرة، فأصابت المواطنين بالخيبات، وكبدت الأعمال التجارية البسيطة الكساد.
وكان من الأولى بها أن تُيَسر إجراءات استقدام العمالة، وأن تضبط عمليات المتاجرة فيها من قِبل الكبار المستفيدين، ومن شركات الاستقدام الجشعة، وأن تلعب بعدالة وحيادية حتى تُمكن المواطن البسيط من الحصول على احتياجه من العمالة بيسر وسهولة، فلا يضطر مجبرا لإيواء المخالفين.
مكاتب مكافحة التسول ينبغي لها تطوير أعمالها ونشاطها طوال العام في شوارع المدن، وفي مجاهل القرى والهجر، وأن يكون لها من التقنية والتخصص ما يمكنها من دراسة حالات المتسللين والتعامل معهم طبق اشتراطات القانون الدولي.
إدارات مكافحة الإرهاب والمخدرات والجوازات يجب أن يتقوى وجودها الحدودي أكثر وأكثر.
وللحقيقة، فإن أعمال الجهات المتشاركة في حفظ الحدود، ومتابعة المتخلفين تحتاج لجاهزية وغرفة «قيادة وسيطرة» دائمة، واجتماعات مستمرة لمناقشة المستجدات، ورسم الخطط الشاملة وتمكينها على أرض الواقع، فلا ينتظر كل منهم في زاويته لحين تحول اللعبة إلى كارثة، وبعدها يقوم بلعبة قبض وتسفير جديدة، وهوجة لا تلبث أن تُتعب وتنهك الدولة والمواطن والوطن.

[email protected]