كنت بالمصعد وركب معي شخص لا أعرفه، صعد بنا إلى نصف الطريق وانفتح من جديد فإذا بمجموعة من الصاعدين، رغب بعضهم في عدم الصعود تجنبا للازدحام، أصر عليهم مرافقي المجهول بأن يركبوا جميعا وقال: «كلنا مسلمون ما فيه فرق بين سعودي وغير سعودي»، صعدوا باستثناء شخص واحد اعتذر وقال: اصعدوا سآخذ الدرج أنا مسيحي، شعرت بحرج صاحب الهوية الإسلامية، إذ كان يظهر عليه الطيبة في البحث عن عنوان إنساني لهوية لا تستثني أحدا.
سؤال الهوية يعني سؤال (من هو؟) سؤال الهوية سؤال التشظي الإنساني تحت قناع التنوع، هو مسيحي أنا مسلم، هو غربي أنا شرقي، هو سني أنا شيعي، هو إفريقي أنا آسيوي، هو فارسي أنا عربي.
لاحظوا الدلالة النفسية عندما أضيف لسؤال الهوية معنى الجموع لتظهر دلالة التشظي التي يعشقها السياسي شيخ قبيلة أو أمين حزب أو رئيس دولة: هم مسيحيون ونحن مسلمون، هم غربيون ونحن شرقيون، هم سنة ونحن شيعة، هم أفارقة ونحن آسيويون، هم فرس ونحن عرب، هم آل علان ونحن آل فلان.
في المجموع يتحول الإنساني إلى غرائزي، في المجموع يتحول القانون إلى غابة، في المجموع يخبو الفرد وينبو القطيع ويتجلى الراعي وعصا الهوية بيده ليهش بها يمينا ويسارا على خرفانه الطيبة.
يحاذر المثقف أحيانا أن ينجر لهذا النوع من (الهويات القاتلة) لما تحمله في أحشائها من صراع التمييز العنصري، الذي صنعته الحروب العرقية والدينية منذ مئات السنين، وتواطأ الناس واصطلحوا على تنسيق كل هذا وفق (بطاقة الهوية أو جواز السفر) التي حملت في ثناياها تاريخا من صراع الهوية، فالجد العربي قبل مئة وخمسين عاما كان صوفيا يدين بالولاء للدولة العثمانية الأعجمية ما دامت تقوم بمصالح قبيلته، فأين ولاء الأحفاد من ولاء جدهم؟!
هل سؤال الهوية لمن اقتحم الحداثة من النافذة يساوي سؤال الهوية لمن دخلها مع الباب؟ ما زال أحدهم يقول لشركاه في الوطن، هؤلاء طرش بحر، وأولئك بدو لم ينفضوا الرمل عن ثيابهم بعد، فلِمَ صراع الهوية على خارطة الوطن؟! ونسمع آخر يقول: هذا شيعي وهذا صوفي وهذا سلفي لنتوه في صراع الهوية على خارطة المذهب، ونسمع ثالثا: هؤلاء نصارى ويهود وبوذيون ونحن مسلمون، ليغويك بصراع الهوية على خارطة الدين.
هل عرفنا الآن كيف أصبحت (الهويات قاتلة).. مع حصاد ربيعنا العربي المر، الذي جعلنا نعيش سؤال الهوية بشكل كسر الباب وخلع النافذة، فأين الهوية مع رياح العولمة لمنزل محطم النوافذ والأبواب؟
الهوية التي تحمل في بنيتها انتقاص الآخر، واحتقار الآخر بدءا بمجرد نوايا الازدراء، وصولا إلى صريح التصفية الجسدية، ستظهر القوانين التي تهذبها، فالدولة الحديثة كلما تقدمت في مضمار الحضارة والنهضة ذابت فيها الهويات القاتلة لتنتهي قيمة سؤال: من هو؟ ويأتي سؤال الفردانية في (من أنا؟) فتكتشف أنك أنت، كبصمة إصبعك، إبداع من الخالق لا يتكرر ولا يشبهك أحد بين مليارات البشر على هذا الكوكب، مهما أوهموك أنهم يشبهونك في اللون والدين والعرق و(الهوية الواحدة).
سؤال الهوية لن يسمح لك أن تقرأ خطوط بصمتك الخاصة في هذه الحياة، سيصر عليك بسؤال الهوية المفترضة والمفروضة، سيشعرك ببعض الدفء الاجتماعي الذي يحميك من صقيع العولمة، لكنك لن تستطيع الصمود وحيدا بل ستضطر للقطيع دائما تحت مبررات ألا تكون (القاصية من الغنم).
نحن مجرد ذاكرة تشكل الأنا فكيف نريد أن نختزلها في ورقة مرور عبر الحدود، أو في صلاة يصليها البعض مضمومي اليدين وآخرون مسبلين، متناسين وسط انشغالات الهوية المذهبية أننا على قبلة واحدة نلتقي في كل حج وعمرة.
في زمن ما توهمت نفسي خليجيا، وبعد سفري لليمن اكتشفت كم أنا أقرب لليمن من مواويل النوخذة، وعندما عملت في مكة شعرت كم أن طبع الجبليين من أهلها قريب من طبع أهلي في الجنوب، وعندما استقر المقام بي في الشرقية وقفت إجلالا لتاريخ النخل الشاهق بعد أن أعطوني الجَذَب وتبتل بعض وقتي بجبل قاره، إذ رأيت بين أهل القطيف والأحساء كرما وروحا، محبة جعلتني أنتمي لهم كذاكرة شاركتهم إياها في مهرجان الدوخلة وأمسيات الشعر وحفلات الغناء، ومعارض الرسم، وليالي السمر في البساتين، كدت أنسى بهم وبحبهم للحياة معنى الحضارة الذي علمتني إياه زيارتي لقاهرة المعز في دار الأوبرا وأهرام مصر الشامخة، فتأكدت أن هويتي ذاكرتي، فالطفل يبكي الأم التي رعته، لا الأم التي هجرته بعد إنجابه.
كل هذه التفاصيل وتنوعاتها في حياتنا ستسقط شوفينية الدين والعرق واللون وعقد الجغرافيا والتاريخ، التي تصر عليك بهويتها كي تضيع حياتك تحت عنوان (نحن وهم) وعلى السياسي ألا يقع في نرجسية الأنا فيرتكب حماقة القذافي في (من أنتم؟) إذ رأى ليبيا مجرد أوراقه الرسمية التي يوزعها على أهل ليبيا ليصبحوا في نظره مجرد قطيع يرعاه، أو في المقابل رهان أحمق على شوفينية دينية، تنجب لنا مهووسي هوية، يبحثون عن مدينتهم الفاضلة في خلافة لن تعود إلا عبر تفجير ببغداد أو تفجير بدمشق، أو سيناء وطرابلس، أما تل أبيب فتبتسم.
سؤال الهوية يصبح صراخا وعنفا عندما لا أعرف طريقي، وتضيع بوصلتي، سأشك في من حولي، وأتهم كل من يخالفني، سؤال الهوية دلالة ارتباك، والتماسك ليس في معاقبة من يلبس البنطال، ومكافأة من يلبس الثوب فوق الكعب، سيموت السؤال بمجرد أن تخرج من صندوق التنفج الكاذب باحتقار العالم من حولك، لتخفي تحت هذه الكبرياء المزيفة خوفك وقلقك المرعب في كل ما هو حولك مما ليس لك فيه يد أو دور... الجوال السيارة القلم النظارة الحاسب... ملابسك وزرار الثوب... حتى العقال والشماغ اللائي تفخر بها، حتى كرمك العربي الذي تصر عليه عبر قهوتك ودلتك العربية الصفراء، يهينك جدا أن تقلبها فتجدها مصنوعة في الهند... من حقك أن ترتبك في هويتك، ومن حقك أن تصر على حشر دينك كهوية لأنه المتسامي الوحيد على صراعك البائس في هذه الحياة فلمَ تجرّه لمواقع هزيمتك في صراع تأبير نخل الحياة؟!، ألأنه لا يشترط عليك أن تنجز شيئا على الأرض سوى أن تتجه بقلبك إلى السماء وتقول: نحن خير أمة أخرجت للناس، والعالم بكل ما فيه مجرد خدم لنا، وقد تبالغ قليلا فتستعير عبارة جدتك وتقول: هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة، ونسيت أن الدين أسمى من أيديولوجيا الهوية وصراعاتها، ومن لا يجيد السباحة لا ينفعه الدعاء.