اجتمعنا سوياً مجموعة من الأصدقاء كان فيهم عدد من مشاهير الطب في جدة، وأخذنا الحديث إلى ذكريات قديمة وتحدث زميل لنا متخصص في أمراض النساء والتوليد فقال إنه خلال شبابه وبداية عمله في إحدى المحافظات النائية بالجنوب أتته سيدة في أواخر حملها تعاني الآم مبرحة وبعد فحص سريع تبين أن الحبل السري قد التف عدة مرات حول رقبة الجنين مما يؤثر يقيناً عليه إما بالوفاة مختنقاً أو بتقليل الدم الساري إلى المخ مما يؤدي إلى إصابته بالتخلف العقلي أو الشلل ولذلك يجب أن يتم عمل ولادة قيصرية.
وحاول زميلنا بسرعة الجلوس مع الأب لإخباره بضرورة العملية القيصرية ولكن الأب رفض، واضطرت الزوجة إلى موافقة زوجها خوفاً من غضبه وأصبح الطبيب في وضع حرج تماماً، وأنهى حديثه: ماذا أفعل؟ يجب أن يكون هناك إقرار طوعي مستنير من ولي الأمر حتى أستطيع التدخل.
وتذكرت قصة الإقرار الطوعي الحر المستنير..عندما فوجئ العالم مع نهاية الحرب العالمية الثانية بعشرات الآلاف من الأسرى استخدمهم الأطباء الألمان كفئران تجارب للعديد من الأدوية والأسلحة المدمرة لاكتشاف آثارها على الإنسان.
وتمت محاكمة المتورطين في هذه الجريمة الشنعاء في محاكمات نورمبرج الشهيرة عام 1947 لتخرج في النهاية القواعد التي أطلق عليها «إعلان نورمبرج» والذي اعتمد في الأساس على ما سمي بالإقرار الطوعي الحر المستنير للمريض.
وتدخل في الحديث أحد الزملاء الذين درسوا في انجلترا فقال إن هناك داخل كل مستشفى لجنة تسمى لجنة الأخلاقيات (وهى موجودة في أغلب مستشفياتنا الكبرى) تحاول أولاً إقناع ولي الأمر فإن رفض وتأكد تحقق الضرر في حالة عدم التدخل الجراحي يتم رفع الأمر لقاض طبي يداوم أربعا وعشرين ساعة في كل منطقة لأخذ رأيه بعد تقديم الأدلة والمستندات الطبية ومن حق القاضي أن ينزع ولاية الأب والأم ويأمر بإجراء العملية.
وتذكرت بحثاً لي عن ما يسمى «سقوط الإذن في العمليات الجراحية المستعجلة» كنت قد كلفت من مجمع الفقه الإسلامي بكتابته وذكرت أن الشريعة الإسلامية تبيح تحول الإذن من الولي الشرعي إلى ولي الأمر إذا كان تصرف الولي تيقن معه إنزال الضرر وبما أن المرأة والرجل ليسا المريض بذاته الذي هو الجنين وهما ولياه وتصرفهما ينافي المصلحة ويؤكد حدوث الضرر تنزع الولاية منهما وترد لولي الأمر في شخص ما يمكن تسميته بقاضي الأمور الطبية المستعجلة.
وابتسمت وأنا أقارن بين ما قام به هتلر وما يحدث في إنجلترا ورأي الأب والأم في العملية القيصرية.