الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
من مكة المكرمة (زادها الله تشريفاً وتعظيماً وتكريماً) أشرقت شمس الإسلام، وانطلقت قوافل بناء روح الإنسان، وانعقدت في نواحيها أعظم بيعة، ورسم على رمضائها وجلاميد صخرها أصدق صور البذل والتضحية، وزفت أول البشائر للجنان من في الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابها: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة»، وعلى مشارفها خطت خارطة الطريق للدعوة والموازنة في العلاقة بين دولة الإسلام وغيرها في صلح الحديبية، فهو الفتح المبين، قال تعالى: «إنا فتحنا لك فتحا مبينا»، بقعة طاهرة مقدسة شهدت حقوق الإنسان من دون عنصرية ولا عصبية حين كلف بلال للصدع بالتوحيد وتبت يد أبي لهب لما أبى التوحيد.
من غار حراء أعلنت يقينيات العلم مصدراً وأدا وسبيلاً، قال جلا وعلا: «اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم* علم الإنسان مالم يعلم».
من صعيد مكة الطاهر غرست القيم، ورُسخ الإيمان، وصُنع الرجال، فتحقق بهم -بعد توفيق الله- إعمار الأرض، وشمخت العزة «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله».
وفي المشاعر المقدسة من مكة نزل الوحي بكمال الدين في عرصات عرفات، قال تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا». فإكمال الدين هو إكمال البيان المراد لله تعالى الذي اقتضت الحكمة تنجيمه، فكان بعد نزول مسائل الاعتقاد، التي لا يسع المسلمين جهلها، وبعد تفاصيل أحكام قواعد الإسلام في فرائضه العظام. بدءا من الصلاة وانتهاء بالحج، وبعد بيان شرائع المعاملات وأصول النظام والأحكام، كان بعد ذلك كله تم البيان المراد لله تعالى في قوله: «ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء»، وقوله: «لتبين للناس ما نزل إليهم»، وقوله: «ما فرطنا في الكتاب من شيء»، وكل ذلك كافٍ –ولله الحمد والمنة- في هدي الأمة في عبادتها، ومعاملتها، وسياستها وفي شأنها كله، في سائر عصورها وديارها، بحسب ما تدعو إليه حاجاتها، فالدين واف في كل وقت بما يحتاجه المسلمون.
تلك المحوريات والمعالم التي شكلتها المعاني التي انطلقت من مكة المكرمة زمانا ومكانا هي وثائق أممية مرتبطة بحبل من السماء، لتنطلق بها ومنها معالم شؤون الحياة ومعاييرها في كافة جوانبها، ومن ذلك البناء الفكري والتربوي والثقافي.
أخي القارئ الكريم: لعل في ما تقرر أعلاه إشارة إلى أن اتخاذ اسم مكة منبرا يعكس صفاء هذا الدين وعبق عدله ورحمته وشموله وسمو تعاليمه. فمنابر الإعلام بشتى صورها وتواصلها لابد أن يتحقق بها لحمة المجتمع ووحدة الصف ووضوح الهدف ونبراس الاجتماع، ويتأكد ذلك في زمن الفتن واشتداد الأمور واضطرابها؛ فللإعلام في عالمنا المعاصر وقع كبير ودور عظيم في تسيير الأحداث والعقول، وهذا أمر معلوم في هذا العصر الذي بات الإعلام في حال المدلهمات وعظائم الأمور يؤثر تأثيرا بالغا في نفوس الناس بإثارتها أو تثبيطها بتخويفها أو تأمينها؛ لذا كان الواجب الحذر في التعاطي مع الأحداث الجسيمة، فلا تنقل ما يثبط المسلمين ويفت في عضدهم ولا ما يثيرهم ويرجف بهم.
التأني في التعاطي مع الأمور العظام مما تتعلق به مصلحة عظمى للأمة، فليس كل ما يعلم يقال، بل لكل مقام مقال ولو كان حقا وصدقا، الدستور في ذلك قول الحق عز شأنه يقول: «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ»، فالطريق الشرعي عند ورود الأمور العامة سواء كان الأمر يتعلق بالأمن أو الخوف أن يرد إلى أهله من ولاة الأمور وأهل الاختصاص، فما ظهرت المصلحة في نشره وإذاعته نشر، وما كانت المصلحة في عدم نشره لا ينشر حفاظا على دين الناس ودنياهم .والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول -كما في الصحيحين-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، ويقول –كما في مقدمة مسلم وعند الحاكم في المستدرك-: «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع»، والذي يقدر الخير من عدمه في الأمور العظام هم أولو الأمر وأهل الاختصاص، فالواجب الرجوع إليهم فيها.
جعلنا الله مفاتيح للخير ومغاليق للشر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
المنبر
صالح بن حميد4 دقائق للقراءة

حجم الخط
