عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصانا فقال: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» رواه أبو داوود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
والشاهد في هذا الحديث الشريف هو «عضوا عليها بالنواجذ»، أي اجتهدوا في اتباع السنة المطهرة والتمسك بها، الزموها واحرصوا عليها كما يلزم العاض على الشيء بنواجذه، خوفا من ذهابه وتفلته.
والنواجذ هي الأنياب والأضراس، لذلك فإن التمسك والاعتصام بالكتاب والسنة من لوازم وأساسيات الشريعة الاسلامية الغراء.
وقد حثنا الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع الكتاب الكريم وسنته صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين المهديين، رضي الله عنهم أجمعين، فهم الذين هداهم الله، فكتبت أحكامهم، وضبطت أقوالهم، وإن المتقين هم الذين يعتصمون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولقد قال الله تعالى «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم».
وقال سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما»، أي أن من يطع الله ورسوله فقد أجاره الله من النار وصيره إلى النعيم المقيم..جعلنا الله ووالدينا وجميع المسلمين ممن فازوا فوزا عظيما.
إن التمسك والاعتصام بالكتاب والسنة أعظم من التمسك بالأمور الدنيوية التي يحرص عليها كثير من الناس أكثر من حرصهم على الأمور الدينية، والعياذ بالله، لذلك نجد في ديننا الحنيف الترغيب في اتباع الكتاب والسنة، والترهيب من الحياد عنهما.
فالمطلوب هو الإخلاص والاتباع لا الابتداع، والانقياد والقبول والطاعة عند اتباع النقل لا العقل، لذا نجد تكملة الحديث الشريف آنف الذكر عند قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة».
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» رواه البخاري (39) ومسلم (2816) لن يُشاد الدين أحد إلا غلبه، أي: غلبه الدين.
وقال الله تعالى في كتابه العزيز: «وتزودوا فإن خير الزاد التقوى..»، وقال سبحانه:»يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كٌتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون».
وقال عز من قائل:» فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى»، مما ينبئ عنه أن من حج فأداه بحدوده على ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه: «فلا إثم عليه لمن اتقى»، أي اتقى الله في حجه، فكان في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوضح عن أن معنى قوله جل وعز: «فلا إثم عليه» أنه خارج من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفور له، بإذنه سبحانه وتعالى.
ما من خير عاجل ولا آجل، ولا ظاهر ولا باطن إلا والتقوى موصلة إليه ووسيلة له ودليل عليه.
وما من شر عاجل ولا آجل، ولا ظاهر ولا باطن، إلا والتقوى حرز منه حصين، ودرع منه مكين.
هي وصية الله للأولين والآخرين: «وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـٰكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ»، النساء:(131).
هي دعوة الأنبياء، وشعار الأولياء، فكل نبي يقول لقومه: «..أَلاَ تَتَّقُونَ»، الشعراء(106).
وأولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون.
«يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»، الحديد(28).
«تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً»، مريم(63).
«وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً»، النساء(1).
أما التقوى لغة فهي مأخوذة من الوقاية وما يحمي به الإنسان رأسه.
واصطلاحا: أن تجعل بينك وبين ما حرّم الله حاجبا وحاجزا.
عرّف علي بن أبي طالب التقوى فقال: «هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل».
وسأل عمر كعبا فقال له: ما التقوى؟ فقال كعب: يا أمير المؤمنين أما سلكت طريقا فيه شوك؟ قال: نعم.
قال: فماذا فعلت؟ فقال عمر: أشمر عن ساقي، وأنظر إلى مواضع قدمي وأقدم قدما وأؤخر أخرى، مخافة أن تصيبني شوكة.
فقال كعب: تلك هي التقوى.
إذا فالتقوى يجب أن تكون عند المسلم في سائر أركان دينه ومتمثلة في كل عباداته، لأنها أصل أصيل لا يقوم دين المرء إلا بتقوى الله تعالى في السر والعلن.
التقوى في قلبه، ومظهره الإسلامي، وشخصيته الإسلامية، وأخلاقه الإسلامية النبيلة.