يتطلع العديد من أسر ذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال التوحد بمنطقة عسير إلى بشائر الخير التي يتوقعون أن تكون بجعبة أمير المنطقة فيصل بن خالد، تزامنا مع الزيارة المرتقبة لرئيس مجلس إدارة جمعية الأطفال المعوقين الأمير سلطان بن سلمان، ورئيسة جمعية أسر التوحد الخيرية الأميرة سميرة بنت عبدالله الفيصل خلال هذا الأسبوع، وذلك بعد معاناة تلك الفئة وقصور الخدمات المقدمة لهم بمستشفيات المنطقة، حيث تقتصر الخدمات على تلقينهم بضع حروف لتمكنهم من التواصل مع المجتمع، وبمجرد إنهاء تلك المرحلة تبدأ معاناتهم الحقيقية، وكانت نتائج ما قدم لهم من خدمات مخيبة للآمال.
بحسب عدد من أسرهم ـ.
شريفة أرملة معاقة تلاشت صرخاتها في جبال عسير، نظرا لحاجتها، حيث إنها تعيل ثلاث فتيات إحداهن معاقة لا تقدر على تخفيف ألمها، وتسمع صرخاتها ليلا فيتفطر قلبها كونها وابنتها بحاجة لمن يهتم بهن لأنهما ضمن أصحاب فئة خاصة.

مصارعة الألم

أما علي فثلاثيني معاق غير قادر على الكسب، ويعاني أمراضا والتهابات في اللثة، ويبقى أياما يصارع الجوع ولا يستطيع أكل ما يسد جوعه مع صراخ لا ينتهي، وأم مكلومة لا تملك من أمرها شيئا إلا الصبر لثلاثة عقود، مع تألمها لما يعانيه فلذة كبدها، في ظل قصور الخدمة بالمنطقة المقدمة لذوي الاحتياجات الخاصة.

رحلة العناء

محمد القحطاني شاب يعاني من شلل رباعي تشنجي، وصغر حجم رأسه، وتأخر شديد في النمو إثر ضمور بالمخ، وهو بحاجة إلى علاج طبيعي ومهني، ويستمر وعائلته في رحلة العناء، حيث إن ما يحتاجه من علاج لا يتوفر بمستشفيات عسير.
وتزداد معاناة مريم التي توفي زوجها وحملت في ذمتها أربعة أولاد، أحدهم يعاني من شلل رباعي، وتتقاضى من الضمان الاجتماعي 1300 ريال، ولا تمتلك من حطام الدنيا شيئا فلا منزل، ولا سيارة، ولا دخل يقيهم سؤال الآخر، ولهم مع الشتاء حكايات أخرى.
أم طيف لديها 4 أبناء كلهم يعانون التوحد، وتتساءل: هل من الصعب افتتاح مركز خاص بأطفال التوحد وذوي الاحتياجات الخاصة بعسير في ظل ما ترصده الحكومة من مليارات لخدمة المواطنين؟

لا إحصاءات

من جانبه أوضح استشاري المخ والأعصاب بمستشفى عسير المركزي الدكتور منصور عطيف أن الجهات المسؤولة عن خدمة ذوي الاحتياجات الخاصة، هي وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارتا التربية والصحة، إضافة إلى الجمعيات الخيرية الصحية، وما يقدم لتلك الفئة من خدمة ليست على المستوى المأمول.
وأشار إلى أن عيادات المخ والأعصاب تستقبل أسبوعيا حالات جديدة من الأطفال المرضى وغالبية شكواهم هي الإعاقات وتأخر النمو، وللأسف لا توجد إحصاءات دقيقة لعددهم، مضيفا «من أكثر أسباب انتشار تلك الحالات، هي الأمراض الوراثية، ومحدودية التشخيص، وعدم وجود أي مركز تأهيلي لمثل تلك الحالات، والآن تقيم القطاعات الحكومية والخاصة مشاريع جادة لتغطية احتياجات تلك الفئة.

نقص الكوادر

وأضاف استشاري الطب النفسي للأطفال بكلية الطب بجامعة الملك خالد، والمشرف على عيادة الطب النفسي للأطفال والمراهقين بمستشفى الصحة النفسية بأبها الدكتور موسى آل زعلة «أن أطفال التوحد وصعوبات التعلم في المنطقة الجنوبية ما زالوا يحتاجون لكثير من الخدمات لتشخيص وعلاج التوحد، حيث يوجد نقص في الكوادر المتخصصة ولا توجد إلا عيادة واحدة متخصصة بعسير لتشخيص حالات التوحد والإشراف على علاجها، مطالبا بإنشاء مراكز لتلك الفئة بإشراف متخصصين وتهيئة فصول دراسية مناسبة لقدراتهم وتخفيف معاناتهم».
وأشاد آل زعلة بجهود وزارة التربية والتعليم في دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع طلاب المراحل الدراسية العامة بمختلف فئاتها، مؤملا أن يكون تعليمهم برعاية وإشراف جهات متخصصة.


.. ورحلة علاج التوحد تزيد المشكلة تعقيدا

لم تعد معاناة إصابة أحد أفراد الأسرة بالتوحد هي الهاجس المقلق وحده لساكني عسير بل باتت رحلة العلاج هي المعاناة الأكبر، لعدم وجود أي مركز متخصص للعلاج في المنطقة سوى عيادة طبية في مستشفى الصحة النفسية بأبها، بحسب الناطق الإعلامي لصحة عسير سعيد النقير.
يقول أحد سكان أبها محمد الشوقبي: «ولدي عمره خمس سنوات ولديه أعراض غريبة من بينها عدم القدرة على النطق وفرط الحركة، وحاولت معرفة السبب دون جدوى، وفي كل مراجعة للمستشفيات والمراكز الصحية يركزون على سلامة الحواس فقط، والبعض منهم يخبرني بأن الوضع طبيعي ولا يدعو للقلق، وصدمت عندما شخصت حالته لدى طبيبة متخصصة أبلغتني بأن ابني مصاب بالتوحد، ويحتاج إلى علاج متخصص في مراكز علاج التوحد».
ويضيف الشوقبي أنه لم يجد مركزا متخصصا في عسير يشخص الحالة، وفوجئ أن الجهة الوحيدة التي تعاين مثل هذه الحالات موجودة في مستشفى الطب النفسي بأبها وليست جهة متخصصة في علاج وتشخيص مرضى التوحد، والمراكز المتخصصة في الرياض والمواعيد عندهم متأخرة جدا وتستغرق وقتا طويلا، والمراكز الخاصة مرهقة ماديا ولا أستطيع تحمل تكاليفها، وبت الآن بين ناري المرض ورحلة العلاج.
وأشار أحمد القرني والد طفلة مصابة إلى أن التعامل مع هذا المرض يحتاج لمراحل كبيرة من التطوير والاحتراف وفتح مراكز متخصصة في جميع مناطق السعودية لخدمة هذه الفئة في أماكنها دون إجبارها على السفر والانتقال للعيش في منطقة أخرى بحثا عن العلاج، وهذا ما واجهته، فقد انتقلت للمنطقة الشرقية لعلاج ابنتي لدى مركز متخصص هناك.
من جهته، أوضح الناطق الإعلامي بصحة عسير سعيد النقير أن وحدة الطب النفسي للأطفال والمراهقين في مستشفى الصحة النفسية بأبها، تشمل البرنامج الوطني لاضطراب النمو والسلوك ومن ضمنها أطفال التوحد، وكانت عيادة طبية أسبوعية فقط، أما الآن فهناك ثلاث عيادات أسبوعية يشرف عليها أطباء من المستشفى وبعض أطباء كلية الطب بجامعه الملك خالد إلى جانب عيادة علاج اضطرابات النطق والتخاطب التي تعمل بمعدل ثلاث عيادات أسبوعيا.
وأضاف النقير أن هذه الوحدة أصبحت مرجعية على مستوى المنطقة الجنوبية، بسبب تزايد أعداد المراجعين والمحولين من المستشفيات العامة والمراكز الصحية والعيادات المتخصصة بالمخ والأعصاب وبعض المدارس ومراكز إدارة التربية والتعليم ومراكز التأهيل الشامل وعيادات وطوارئ مستشفى الصحة النفسية.
وأشار النقير إلى أن الوحدة تتابع شهريا من 100 إلى 120 حالة مختلفة ومنها حالات أطفال التوحد، وتعقد من 20 إلى 25 جلسة علاج تخاطب وتنمية مهارات أسبوعيا.
واختتم النقير بقوله إن الوحدة التي بدأت أعمالها نهاية العام الماضي تحول بعض الحالات حسب الحاجة إلى عدد من الجهات المختلفة، ومنها عيادات طب الأطفال العام، وعيادات المخ والأعصاب للأطفال والأذن والأنف والحنجرة، ومركز التربية والتعليم للتوحد، ومراكز التأهيل الشامل لمساعدة الأطفال وأسرهم في الحصول على بعض المساعدات المالية والممنوحة لهم نظاما وتصرف لمثل هذه الحالات.