يحتل الإصلاح الإداري مكانا بينا في صدر اهتمامات الدول التواقة إلى النهضة الموزونة على معايير الاستمرارية، ويشكل من ناحية أخرى الهاجس المتحرك بين هموم وشجون الشعوب الواعية الراغبة في وجود الحالة التنموية المنطلقة من أسس تضمن تغطية الراهن بما يعزز المستقبل ويقوي بنيته في كل الجوانب، وهذه الأخيرة من روافد الاستقرار التي تُعول عليها الحكومات الرشيدة لإسعاد مواطنيها وحفظ منجزاتها من العوامل المهددة.
في عموم المسألة: الإصلاح الإداري مفهوم سحري يجذب العقول النيرة والأنفس السليمة في مضمونه واصطلاحه وقبل كل هذا غاياته التي على رأسها تنقية أجواء العمليات الإنتاجية من الشوائب المخلة بمبدأ الجودة والعدالة.
وهو من واقع أسهل تعريفاته فهما وأكثرها وجوبا للاعتبار بعد ذلك: حالة وعي مشتركة بين الدولة ومكوناتها.
في السياق تقول المراجع الإدارية المعاصرة إن الإصلاح الإداري في كل الأحوال يرمي إلى «إزالة الخلل « ويهدف إلى «بناء الإدراك «ونشره بين مقدمي الخدمة ومستقبليها أي بين المسؤولين والمواطنين حول أهمية الدلالة على العلة والاعتراف بها كمعضلة تستوجب الإصلاح في إطار أحدث المفاهيم والأفكار الإدارية، ويشمل في نطاق عملياته تنمية الموارد البشرية وتطوير الهياكل التنظيمية وتبسيط سياسات العمل وإجراءاته، إضافة إلى تحديث الوسائل الفنية والأدوات التقنية، وثمة لا شك استراتيجيات للإصلاح الإداري تعتمد على نطاق التغطية والدرجة مثل الإصلاح الجزئي الموجه لتغطية بعض مكونات النظام الإداري الكلي لعدد من الجهات أو المنشآت علاوة على الإصلاح الأفقي المعني بتعديل خلل محدد أو تسوية حالة معينة على مستوى الكل، والإصلاح القطاعي وأخيرا الإصلاح الشامل، وفي تعريفه ما يدل على مجال تطبيقه أي أنه يشمل كافة مستويات الدولة.
للإصلاح الإداري ضوابط وشروط، فإلي جانب الاستفادة من تجارب وخبرات الدول المتقدمة يشترط في عمليات الإصلاح الأخذ بمعيار الكفاءة، المعيار الذي أرى أن «تغييبه» أو محاولات تغييبه وهي لن تكون على أرض الواقع قليلة، حتى وإن خففنا ثقلها بوصفها محاولات قد قادت الشأن الإداري المحلي في بعض المواقع المهنية إلى غير المأمول، والأصح إلى غير المفترض.
تجاهل الكفاءات ملموس بمستوى يسمح بتوظيف انتشار هذه العلة للإسهام في تفسير سيطرة نزعة المحسوبية على مجريات بعض التكليفات الإدارية، وبالذات التنفيذية منها، وهذا فساد يتطلب عمليات إصلاحية موجهة لتطويقه وسد منافذه.
والسؤال: هل ثمة ما يدل على مبادرة الوزارات والمصالح الحكومية بشيء يسير من الإصلاح الإداري في نطاق مسؤوليات كل جهة غير ما يمكن اعتباره «الحديقة الخلفية» التي يهرب إليها بعض المسؤولين لتبرير ارتفاع سقف الإنفاق على بعض الوسائل والأدوات التقنية والفنية التي يندسون خلفها كخطة إصلاحية إدارية.
آن الأوان للبدء الفعلي في عمليات الإصلاح الإداري المتدرج الفعال وغير المكلف، والبداية يمكن أن تأتي من «تفكيك التكتلات الإدارية» وإيقاف تمديد خدمات الموظفين المنتهية خدماتهم بالسن المحدد نظاما للإحالة على التعاقد، يرافق ذلك عدم التعاقد معهم على أنظمة وظيفية أخرى تحت مبررات الغش -التميز والخبرة- مع أن القضية في الأصل ليست سوى محافظة على الحرس القديم أتباع مدرسة النعام للاستئناس بقدرات غالبيتهم في الالتفاف على الأنظمة وتمرير التوجيهات المجازفة، هذا عدا ما يتوقع من اعتبارات للولاءات الخاصة عطفا على صلة قرابة أو تبعية همجية.
آن الأوان لتدوير المناصب الإدارية التنفيذية العليا بأسلوب القرارات المفاجئة لقطع وريد الاحتمالات المخلة بشرف المهنة وجودتها، آن الأوان لفسح المجال أمام الكفاءات الشابة للتعبير عن إمكاناتها قبل أن تتآكل نتيجة الإهمال، آن الأوان لصفع وجه التقارير الوردية المبنية على نية تجميل الأوضاع من أجل البقاء.
في الختام، كل ما تقدم ذكره هو محاولة يائسة لفهم سر التوسع في اللامبالاة!
الإصلاح ممكن يا سيد صلاح!
مانع اليامي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
