يا سبحان الله كيف نجد ثقافتنا واعتقاداتنا تترنح من أقصى الشرق لأقصى الغرب، ومن أعظم الخير لأعظم الشر، لنثبت للعالم بأننا مع الخيل يا شقراء.
فجأة وبعد حوادث باريس الإرهابية انقلبت معظم قناعاتنا بأننا لسنا المتضررين بالإرهاب، وأن الإرهاب يعمل في صفنا، فهاج كتاب الدواعش، ولعلع مغردوهم، وماج الشارع العربي الإسلامي مرددا بأن هذا النوع من الإرهاب مبرر بالتاريخ وبموجودات الحاضر.
جمع البعض قصاصات الماضي بنوع من الانتقائية المريبة، وبرروا بها أعمال الإرهاب الداعشي، بلسان حال يقول: تستاهلون هذا أيها الغرب نظير أفعالكم بنا!.
حدث بسيط أظهر ما في أنفسنا من غل وتشف ورغبة في الانتقام مما حمله لنا التاريخ، ومما وجدناه في الحاضر من قصص لا تدل إلا على خيباتنا المريرة، فلم نكن يوما بريئين منها، وهذا وإن كان كثير منه يصب في مجاري الحقيقة، إلا أنها حقيقة عوراء عرجاء ظالمة لنا ولأبنائنا وأحفادنا ولأوطاننا؛ حقيقة تفتقد لحسن المنطق والتقدير حين تجذبها رائحة الدم أينما كانت.
في الماضي توجد قصص كثيرة للاستعمار، ويوجد بالمقابل لها قصص للفتوحات الإسلامية، ولا يمكن من خلال اجتزاء حكايات الماضي التأكيد على إخلاص وإنسانية ما كان يحدث هنا أو هناك.
كما أن أحداث الحاضر ليست غربية خالصة، بل إن لها من الأيادي والأموال العربية والإسلامية ما يلجم ألسنتنا عند التحدي والبحث عن المتورطين والمذنبين، أو عند تبرئة من ليس لهم ذنب. نظريتنا الحالية العشوائية المتقلبة تحدد أن ما يحدث للغرب فائدة لنا، رغم أن لها العديد من الأضرار علينا، والتي نتجاهلها، وكأننا الجمل، الذي يضحك على سنام أخيه، وهو عاجز عن رؤية عوج سنامه.
الإرهاب، الذي يطول الغرب بعض منه لا يعتبر شيئا بالنسبة لما يطول أهالينا وعشيرتنا العربية والمسلمة حاليا في أفغانستان والصومال والعراق والشام ومصر واليمن وليبيا والجزائر ونيجيريا وإندونيسيا، ولا في محاولاته المتعددة لاختراق أمن السعودية والخليج.
فإذا كان الغرب يرفض ويحارب الإرهاب، فكيف نشجعه ونحن أكثر من يتضرر به؟!.
أحداث بسيطة يقترفها الإرهاب في الغرب، وهم بعقولهم وإمكانياتهم قادرون على صده، وتحييده، ولكنا نحن نظل نعاني منه ومن جرائمه المتفاقمة، والتي لا تتوقف ساعة من زمن، فكيف أصبحنا فجأة داعشيين نؤيد ونبرر للإرهاب أعماله القبيحة، ونكبر رأسه، والذي يتمادى علينا بشروره، والغرب ينظر لنا، ويزداد حذرا.
الأمر يحتاج بدلا من تشجيع الإرهاب (العدو المشترك)، لأعمال حكومية ثقافية شعبية عربية إسلامية لمحاربته، حتى ولو كان يأتينا من الغرب، فالأيدي المتحابة المتشابكة قادرة على صد كل عدو، لو صلحت النيات.
نحتاج إلى ثقافة رفض كامل لكل صور الإرهاب، حتى لو كانت موجهة للغرب، فالفوضى لا تحل المعضلات، ولكنها تزيد العقول لججا، والأوضاع ترديا، وتخلق بيننا عمالقة داعشيين يفتخرون بأننا أصبحنا نتقبلهم، ونُبجلهم، ونؤيد إجرامهم، رغم أنه موجه نحو نحورنا وأوطاننا.