قبل «تسونامي» آسيا الشهير..وقبل «سيل قويزة» الكبير بكثير، جاء جيش عرمرم من العقاريين يسد عين الشمس والقمر..انتشروا في الأرض بعد أن رأوا «الكعكة في يد اليتيم عجبة»، يتربصون بأصحاب «المنح الصغيرة» أمام بوابات المحاكم..يشترون أوامر المنح من «غلابا» أصحابها الغافلين بثمن بخس، ريالات معدودة.
من كان يظن من شباب اليوم -أو حتى يحلُم- أن يشهد مرابع -كالبحر على مد النظر- باعها جدّه أو أبوه أو حموه برخص «التراب والطين»؟! هم لا يعرفون قصة الأمس، حينما ألقت البيوت بما فيها ومن فيها..وطفَا كل شيء على الماء، وأوى من نجا من سكان بيوت حارتي القديمة إلى المرتفعات من سيل البغدادية! ظلت صور أمس الأول مطبوعة في رأسي الصغيرة، التي ابيضت و»ميَّشَها» الزمان وأصبحت مثل عفريتة مصور الحارة «أبو ملاية وصندوق».
مشاهد واقعية ما كان يمكن أن يتخيلها «عتاولة» مخرجي الدراما والخيال العلمي!
....
كان صاحب الدكان المغسول بوابل المطر يمشي متكفكفا..قدماه تدبان على الأرض الموحلة بعينين انطفأ بريقهما، يتحسس ثقب القفل ليدخل فيه المفتاح..يبحث عن «فتيلة فانوس» أو «إبرة إتريك»! «قرقعت» مصاريع أبواب الدكان و»عطعطت» مزاليجها..ما إن فتح الباب حتى اندفع الماء ليغمر كل شيء في الدكّان..حبال ومكانس وصابون «أبو كُلّاب»..كانت بضاعة هي عنده في ذلك الزمان، وسالف العصر والأوان، أهم من «التراب» الذي أصبح اليوم «تبرًا»! ـ من يعير عقله العقاري للبسطاء؟ ـ «محد يعير مرزابه في يوم المطر»..إنها حلاوة الروح..و»يا روح ما بعدك روح»! انكفأ المرحوم على وجهه..قد مات شهيدًا يا ولدي..بين ثروته «الطائلة» من الحبال والمكانس..وفتائل الفوانيس والأتاريك..ووثيقة استحكام محاها الزمان..كلّه صار «حلاوة طحينية»..يا ولدي!

