إن من أكبر المخادعات الإعلامية ادعاء بعض الوسائل الإعلامية الحياد والموضوعية والبحث المجرد عن الحقيقة، فالحياد الإعلامي في حقيقة الأمر لا وجود له على أرض الواقع، بل ما من وسيلة إعلامية إلا وهي محكومة برؤية أو موقف أو هي واقعة تحت سلطة من نوع ما سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو حتى شخصية في بعض الحالات، وهو ما ينعكس على أدائها سواء في الشق الإخباري أو التحليلي أو في جملة المضمون والمحتوى، وبطبيعة الحال فإن الوسائل تختلف في مقدار هذا التأثر والبعد عن الحيادية، وكلما كانت المنطلقات نفسها بها خلط أو خطأ أو انحراف كان بعد هذه الوسيلة عن الحياد والموضوعية بنفس المقدار، وكلما كانت المنطلقات الحاكمة لها والمؤثرة فيها قريبة من الموضوعية والمنطق والإنصاف أصلا كان ظهور ذلك على مخرجات هذه الوسيلة أوضح وأظهر.
وإذا أخذنا البعد السياسي على سبيل المثال فيمكن القول بأن وسائل الإعلام وخصوصا الإخبارية منها قد غدت كيانات سياسية قائمة بذاتها، بل وربما كانت من أخطر الكيانات السياسية، ولهذا البعد نفسه لا ينفك الوجود المؤثر سياسيا لحزب أو دولة عن وسائل إعلام خادمة ومسوقة له.
يقول أحد الباحثين المعاصرين: ومن يتصور أن المؤسسات الإعلامية مجرد مناخ معرفي فهو يعيش وهما كبيرا، فالمؤسسات الإعلامية كيانات سياسية لها أجندتها الخاصة وانحيازاتها العميقة ولكن لها أدواتها الخاصة في الاستقطاب والتوظيف بما يتناغم مع بنيتها مثل منصب كاتب عمود صحفي أو مقدم تلفزيوني أو معد برامج أو ضيف دائم يوضع تحت اسمه خبير...أ.هـ. ومن هنا تحديدا فلا بد من وضع المخرجات الإعلامية تحت معايير نقدية فاحصة يعتادها المتلقي ليصل إلى مراده دون أن يخضع للتوجيه المقصود غير الصائب، لأن من المعلوم أن للإعلاميين وللمتخصصين المشتغلين بصناعة الصورة الذهنية وفن توجيه المتلقي والتأثير عليه وسائلهم الكثيرة والخطيرة، ومن أشهر وسائلهم صناعة المصطلحات وترويجها وربطها بشخصيات أو توجهات وإدخالها في سياق فكري محدد تحسينا أو تقبيحا، ومن وسائلهم ربط أفكار أو شخصيات أو توجهات بأنماط أو هيئات أو ممارسات غير محبوبة أو محتقرة أو مكروهة مرفوضة لدى أكثر المتلقين، واستدعاء الذاكرة المجتمعية في هذا للربط بين الصور السلبية ومن يراد ربطهم بها، ومن وسائلهم التكرار المتنوع لذات الفكرة من خلال الموقف والصورة والعبارة الصريحة أو الرمزية ومن أنواع هذا التكرار وجود ذات الفكرة في المضمون اليومي للوسيلة الإعلامية بأي صورة كانت وعدم غيابها، ومن وسائلهم إظهار الشخصيات القوية التي تحمل ذات الرسالة في مقابل استهداف شخصيات ضعيفة تمثل الطرف المقابل، ومن وسائلهم الحشد واللعب بالعواطف المتأججة المصطنعة لخداع الفئات العاطفية من المتلقين، وغيرها من الوسائل.
ومع كل ذلك فقد أتاح الانفتاح المعاصر وخصوصا عبر وسائط التواصل الاجتماعي مساحة من التوازن لمن بحث عنه ولم يعد من الممكن إخفاء الحقائق من كل وجه.