إذا كنا سنصدق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فإن الدافع الرئيس وراء حملته في شبه جزيرة القرم هو حماية السكان الروس من المتطرفين النازيين الجدد الذين يُقال إنهم اخترقوا الحكومة الموقتة في كييف.
يبدو ذلك أنه يستحق الثناء، إلى أن تنظر إلى الطريقة التي يُعامل بها الروس في وطنهم اليوم.
روسيا تعاني من مشاكل اجتماعية خطيرة من بينها الإدمان على المخدرات والكحول وانتشار فيروس (إتش آي في) الذي يسبب الإيدز، لكن الدولة لا تفعل شيئا لمساعدتهم، والأقليات الإثنية تُعامل بازدراء.
المقربون من الكرملين يتمتعون بثروات طائلة فيما يؤثر الفقر الحقيقي على أكثر من 20% من السكان.
لذلك فإن مساعدة السكان الروس في شبه جزيرة القرم ليست أولوية الرئيس الروسي.
أما بالنسبة لحماية الروس في أوكرانيا من النازيين الجدد، فهناك صراع آخر على المصالح.
البعض قد يقولون إن عدد النازيين الجدد الموجودين في البرلمان الروسي (الدوما) أكثر من النازيين الموجودين في البرلمان الأوكراني (رادا)، وهم موجودون هناك منذ تأسيس الحزب اللبرالي الديمقراطي الروسي منذ 20 سنة تقريبا.
لذلك من الطبيعي أن نسأل عن سبب الاهتمام المفاجئ بشبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى شرق وجنوب أوكرانيا.
شبه جزيرة القرم جزء منها صحراوي، وجزء جبلي مشهور بمواقعه التاريخية والسياحية، بالإضافة إلى ميناء سيفاستوبول الذي تستخدمه روسيا كقاعدة بحرية.
جنوب أوكرانيا أرض زراعية بالدرجة الأولى، بينما يحتضن الشرق صناعات التعدين والفحم والفولاذ التي كانت للاتحاد السوفييتي السابق، وجميعها بحاجة لاستثمارات ضخمة، وهي منافس رئيسي لصناعات مماثلة في منطقة الأورال الروسية.
حتى الآن، أنفق الرئيس فلاديمير بوتين نحو 33 مليار جنيه أسترليني على بناء صورة لروسيا الجديدة في الأولمبياد الشتوي في سوتشي، وتسبب موقفه العدائي من أوكرانيا بهبوط سعر الروبل مما كلف البنك المركزي الروسي 7 مليارات جنيه، ويبدو أن سوق الأسهم الروسية تهبط بسرعة.
إجمالي الخسائر الروسية بسبب المغامرة في شبه جزيرة القرم حتى الآن 43 مليار جنيه أسترليني، وذلك فيما عدا الضرر على المدى الطويل للعقوبات المحتملة على روسيا.
لماذا تدخل بوتين إذاً في أوكرانيا؟ الإجابة بسيطة: النفط والغاز.
كل حملة بوتين ضد أوكرانيا قد تكون فقط لضمان أن شركة جازبروم، والتي له مصلحة شخصية فيها، هي التي ستتحكم في هوية الجهة التي تقوم باستكشاف النفط والتوقيت الذي يبدأ فيه ذلك.
بحسب مصادر في الكرملين، ضم شبه جزيرة القرم يتم التخطيط له منذ 6 سنوات.
ومن خلال ضم الأرض الملاصقة للبحر الأسود، تضم أيضا حقوق التنقيب في البحر وكل ما يوجد هناك.
لا يهم إذا كان ما تم اكتشافه حتى الآن قليلا.
إذا تم اكتشاف كميات كبيرة من النفط والغاز سيكون الوقت قد تأخر كثيرا.
بصراحة، لا يهم إذا لم تنتج شبه جزيرة القرم نقطة نفط واحدة.
إيقاف الإنتاج وحده سيحافظ على هيمنة الكرملين على إمدادات الطاقة من روسيا.
لكن جميع المؤشرات تدل على أن حقول النفط البرية والبحرية سوف تنتج كميات كبيرة.
تقول مجلة (أوف شور) إن شركتي النفط (إكسون) و (روزنيفت) عثرتا على كميات مشجعة من النفط والغاز في الجزء الروسي قرب نوفوروسيسك.
واكتشفت شركة (يورو إنرجي) كميات تجارية من الغاز الطبيعي في شبه جزيرة القرم.
هذا يعطي سببا آخر لتمسك بوتين بميناء سيفاستوبول -بالإضافة إلى كونه قاعدة بحرية- حيث إن موقعه مثالي في المياه العميقة وقادر على خدمة حقول النفط وتكنولوجيا الحفر الضخمة، وهو لا يبعد أكثر من 100 كيلومتر عن مناطق التنقيب.
علاوة على ذلك فإن شرق وجنوب أوكرانيا تضم موانئ تصدير رئيسية في أوديسا، ومحطات بناء السفن في نيكولايف، ومصفاة نفط رئيسية، ومصانع كيميائية ضخمة، وصوامع تصدير للحبوب، ومحطات لتوليد الطاقة في ترانزنيسترا، واثنتين من أكبر محطات الطاقة النووية في أوروبا، وثلاثة محطات للطاقة الشمسية في شبه جزيرة القرم، وحقول غاز الميتان الكبيرة في حوض دونباس، بالإضافة إلى أكبر مورد للمغنزيوم في العالم ومخزونات هائلة من الفحم والحديد الخام.
أضف إلى ذلك كله 12 مليار جنيه أسترليني سيوفرها بوتين من خلال تمرير خط أنابيب الغاز (ساوث ستريم) على الأرض عبر شبه جزيرة القرم وجنوب أوكرانيا مقارنة مع تمريرها تحت البحر إلى بلغاريا، وبذلك يكون 43 مليار جنيه أسترليني ثمنا رخيصا يدفعه مقابل كل ذلك، خاصة عندما يكون الغرب يتمتع بذاكرة قصيرة انتقائية.
* الإندبندنت