كيف نتحاور مع إرهابي يفضل أن تكون رؤوسنا أمامَه محنية أو مقطوعة؟! أثق كل الثقة في سلامة طوية معظم هؤلاء الذين يحثوننا ليل نهار على ألا نقطع الحوار مع بني جلدتنا من الإرهابيين..وأعرف أنهم حينما يتحدثون عن فتح الأبواب لهم للعودة إلى أحضان المجتمع، إنما هم يقصدون بذلك – في أغلب الأحوال- السعي لعلاج انحراف الإرهابيين الفكري والسلوكي بدمجهم من جديد في سياق الناس الطيبين الوادعين المسالمين، ويظنون بذلك أن الشر العنيف سيذوب ويتلاشى حين نغمره في قدر كبير من الخير والمدنية..لكنني أعرف عن يقين أيضا أن دعاة الحوار مع الإرهاب – وإن كانت نياتهم حسنة - إنما هم يدعوننا إلى الانتحار، دولا وشعوبا..فحين يتملك داء الإرهاب من عقل ما وتتلوث يدا المريض به بدماء الأبرياء لمجرد أنه يؤمن بمنظومة بعينها من الأفكار ويمارس العنف لإجبار الآخرين على اعتناقها، لا يمكن للحوار إلا أن يكون علامة ضعف من الدولة.
الإرهابي يريد منا الاختيار بين وضعين لأعناقنا، لا يطرح لهما ثالثا، إما أن نحنيها له مذعنين، وإما أن يقطعها لنا، فيدخل بذلك الجنة ويعجل بنا إلى النار..فكيف يكون بيننا حوار؟ المتطرف الذي يطالبنا البعض بالتسامح معه - إن لم يرفع في وجوهنا سلاحه وامتنع عن ذبحنا وعيالنا – هو على الأقل جرثومة فساد نسمح لها بالانتشار بين اليافعين من الشباب، الذين قد يخدعهم التزامه الديني، وعلامات التقوى الزائفة التي يسبغها على أساريره، فيتقربون إليه، وحينذاك يغرس في قلوبهم بذور تكفير المجتمع وتكفير السلطة الحاكمة وضرورة الجهاد لتغييرهما بقوة السلاح.
وهكذا فإننا حين نبدي التسامح تجاه المتطرفين والإرهابيين ونفتح معهم الحوار بلا شروط ونعيد إدماجهم في المجتمع برعونة وبلا تدقيق، إنما نسهل إنتاج الجيل الثاني من الإرهابيين، بسماحنا لأعدائنا بغسيل أمخاخ مراهقينا وشبابنا.
على مجتمعاتنا ودولنا أن تتشبث بالحوار الذي لا ينقطع أبدا، لكن عليها قبل ذلك أن تضع للحوار شروطا ومحددات لا تنازل عنها لكي تضمن سلامتها..من بينها:
- لا حوار إطلاقا مع الإرهابيين الذين تلطخت أياديهم بالدماء، هؤلاء يقتص منهم القانون أولا.
- على حاملي الأفكار المتطرفة التعهد بعدم بث أفكارهم المنحرفة في المجتمع، بضمانة الرقابة الشرطية اللصيقة.
- قبل الحوار لا بد أن يجتاز المتطرفون فكريا دورة مكثفة من التأهيل الفكري والديني والاجتماعي تذكرهم بإنسانيتهم وبسماحة ديننا الحنيف، تشرف عليها الوزارات المعنية من أوقاف وإرشاد وثقافة. - يشترط – أمنيا – أن يرشد المتطرفون عن أقرانهم وعن تفاصيل عمل منظماتهم الإرهابية قبل السماح لهم بالجلوس إلى مائدة الحوار.
ولكن ماذا بعد؟ ما الذي يمكن لنا أن نتحدث فيه مع متطرف خلال جلسات الحوار؟ فالدولة إن لم تفلح في إعادة تأهيله فكريا وسلوكيا للعودة إلى الاندماج في المجتمع كمواطن صالح لا تستطيع الوصول معه عبر الحوار إلى حل وسط؛ فنصف التطرف أو حتى ربعه يظل تطرفا كذلك، لا يمكن لمجتمع أن يقبله ولا أن يتسامح معه! وفي ظني المتواضع فإن مائدة الحوار مع المتطرفين – بعد امتثالهم للشروط السابقة – ينبغي لها أن تركز على العملي من الأمور، أي على السلوك اليومي لصاحب الأفكار المتطرفة، كيف سيمتثل للقوانين والأعراف الاجتماعية المرعية؟ وكيف سيعدل من سلوكه بحيث يتماشى مع ما يرضاه المجتمع لنفسه، وما تقره السلطات..؟ ومن الذي سيتولى مهمة مراقبته لضمان التزامه بتعديل سلوكه؟ وفي مقابل تعهد المتطرف بذلك كله وقبوله بالمراقبة لفترة قد تطول، فإن الدولة تتعهد بأمرين:
- تقديم الدعم المادي والمهني والتدريبي للمتطرف التائب.
- المراجعة الدورية لسجله لدى الجهات الأمنية بحيث إذا ما تأكد بمضي الزمن أنه قد أقلع عن تطرفه وإرهابه نبيض صفحته ونرحب به بيننا مواطنا صالحا.
دون ذلك فإن أي حوار مع الإرهاب هو بالنسبة للدول والمجتمعات نوع من الانتحار!

