على الرغم من أنه صافح يد الحياة بطليعة لم تبد على بدنه الضئيل أي اعتلال، بل حل عقب ولادة مترفة شهدها منزل أسرته، رضيعا ينبعث مع نبرته عجز بريء معلنا به احتياجه لحجر والدته، إلا أن هاجسا ظل يؤرق والده، فكلما التحمت عيناه بفلذة كبده كانت عبرات يذرفها.
فما يلبث أن يباغته سؤال عن ذلك الحزن الذي يجتاحه حين يتلقف ابنه بين أحضانه، حتى يجيب بأسى وعبارات يصاحبها الضيق، «يراودني شعور بأن مكروها سيصيب ابني مستقبلا، وقد يأخذ بيده نحو معاناة قد لا تزول طيلة حياته».
هذا الرضيع الذي نشأ في مدينة أبو عريش بجازان، كانت المدرسة السعودية الابتدائية بجازان أولى محطات حياته بعد انتقال أسرته، حيث انضم إلى المقاعد الدراسية هناك وهو الصف الثالث الابتدائي بعد أن خضع لامتحان قياس الخلفية المعلوماتية.
«القطار الأسود» في أحاديث والده كان ضيفا حل في طريق الرفاعي ليقله من محطته المحتشدة بالآمال، إلى أخرى تعج آلاما وتحولات عسرة، تمثلت في إصابته بشلل في أطرافه السفلى.
عبدالرحمن محمد الرفاعي، شهدت جازان عجز صباه، فقد جال في ربوعها وشعور الانقسام في طبيعته البشرية لم يفارقه بل ظل ملازما له أينما حل، لا يملك سوى عكازيه اللتين استبدل رجليه بهما، بعد أن باء العلاج الطبي في شفائه بالفشل.
الرفاعي أديب وناقد ومؤلف وباحث ومحاضر في مختلف المحافل الثقافية داخل المملكة وخارجها، على اختلاف موضوعاتها من اللغة العربية والتربية والتاريخ.
ما ألم به لم يكن عائقا أمام عطائه وتقدمه، بل كانت إصابته المشجع والداعم الأكبر في مسيرة حياته العلمية والعملية، حيث ألف أكثر من 52 كتابا وبحثا في شتى المجالات، كما يصنف من أهم علماء اللغة العربية وأئمة بحثها العلمي والتاريخي في عصرنا الراهن.
الرفاعي معلم اللغة العربية، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وجمعية لسان العرب التابعة للجامعة العربية، وعضو رابطة الأدب الإسلامي، والعديد من الروابط والجمعيات الناشطة في حقول اللغة والتاريخ والتراث.
يروي عبدالرحمن الرفاعي عن الداعم الخفي في حياته الذي سخره له المولى، كان بجوار منزلنا أحد الإخوة اليمنيين يمتلك حمارا هزيلا، ومن حزني على حاله خصصت له مكانا في منزلنا، وقلت في نفسي «لعله يكون عونا لي في قضاء احتياجاتي»، ويضيف، على الرغم من إعاقتي إلا أنني توليت بنفسي حينها العناية به، وظل يرافقني حاملا جسدي الضعيف وكأنه يواسيني في عجزي، عند ذهابي للمدرسة أو السوق وحتى لزيارة أصدقائي.