جميع الديانات التي ظهرت على الأرض بدون وحي من السماء، جاءت بفلسفاتها ومبرراتها الفكرية وقواعدها التي هي بمثابة الكتب المقدسة، والمشركون الذين عبدوا غير الله تعالى بشتى أصنافهم لم يكونوا يعبدون هذه الآلهة بالشعور والفكر والروح الذي يصوره كثير من الباحثين.
كلا!.
فالقضية أعمق من ذلك، وإذا كان من أهل الجاهلية من يعبد الصنم ثم يأكله إذا جاع فإن هذا يعتبر من عامة القوم وأتباعهم الذين لا يعلمون العمق الفلسفي لهذه الشبهات، والقرآن الكريم تعامل مع المشركين على سائر مستوياتهم الفكرية والفلسفية بشكل مذهل، ولعلنا نعرج عليه في مقال مقبل.
ذهب عباد النار خصوصا طائفة الإكنواطرية أن النار أعظم العناصر جرما وأوسعها حيزا وأعلاها مكانا وأشرفها جوهرا وأنورها ضياء وإشراقا وألطفها جسما وكيانا، والحاجة إليها أكثر من سائر الطبائع ولا نور في العالم إلا بها، فهم يعظمون النار لجوهرها، وزهادهم وعبادهم يجلسون حولها خاشعين.
ويرى آخرون أن بعض المجوس يعظمون النار لأنها لم تحرق إبراهيم الخليل عليه السلام، وظنا منهم أن التعظيم سبب للنجاة من عذاب النار، قال الشهرستاني: وبالجملة هي قبلة لهم ووسيلة وإشارة.
وللوثنية في الهند وفي غيرها مذاهب معقدة في ابتداء العالم والروحانيات والتشريعات وأنواع الآلهة وفي تهذيب النفس وعالم الأرواح والحياة والموت والثواب والعقاب والتناسخ والمراسم العامة والخاصة وأنواع العبادات وقوانين النكاح والأطعمة، ولهم مذاهب في الحب والإيمان، ولهم كلام في الأفلاك والطبيعة وكثير مما يجهله المثقفون ناهيك عن غيرهم.
من هنا فالتعامل مع الشرك والوثنية بالسطحية والضعف الذي نشهده في خطاب الإيمان المعاصر ليس نافعا في عرض الإشكال وطريقة الحل، إذ من عادة الضعفاء في الفكر والعلم ومعرفة الآخر العجز عن الإقناع ومواجهة الشبهة بالحق، والذهاب إلى الصوت المرتفع والاتجاه إلى العنف والمفاصلة، لا سيما في المجتمعات التي تواجه تعددية دينية وإثنية، وهذا الأمر سائر في جميع المخالفين من مسلمين وغير مسلمين، ولا يليق بأمة تحمل القرآن أن تستخف الآخرين وتحقر أفكارهم ثم تأتي لتحاورهم فتصطدم بآراء معقدة وأفكار متجذرة ليست بالسهولة التي يتصورها الغرير، ويعرف ذلك من تأمل قوله عز وجل: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها).
والذين يتحدثون عن العرب أيام الجاهلية يصورونهم قوما رعاعا همجا أبعد ما يكونون عن الإنسانية والحضارة والعقل والأهلية لأي شيء، وهذه مبالغات استشراقية استغلت فيها بعض الروايات، وفهم الناس من حرب العرب للرسالة، أنها من منطلق الجهل والغباء وسيطرة الشهوات.
وليس ينكر أحد أن قوما تحيط بهم الصحراء من كل جانب لا بد أن يظهر فيهم الجهل والبداوة والعادات المقيتة، ولكن العرب كانوا أكثر نزاهة من الروم والفرس في مسألة الحرية وقيمة الرأي ولم يكن يستعبدهم كسرى ولا قيصر، وكان عندهم من المبادئ والأدب والأخلاق والفصاحة والذوق والعاطفة والتدين ما ليس عند غيرهم من الأمم فهم أهل البيت والمقام، والجاهلية التي كانوا فيها كانت جاهلية عامة على الأرض كلها، ولكن بأشكال مختلفة ونسب متفاوتة وبحسب كل بيئة وأرض، ولو لم يكن العرب أفضل الموجود لما كانت فيهم رسالة الإسلام.
ولم يكن العرب وحدهم على الشرك بل كانت الأرض كلها على الشرك فمنهم من يؤله الأنبياء ومنهم من يؤله النار ومنهم من يؤله البقر ومنهم من يؤله الشمس والكواكب.
والعرب هم أكثر الشعوب تعددية في العالم آنذاك فكانت جميع الأديان تجد لها مكانا بينهم دون اضطهاد، وكان العرب أنفسهم أهل تعددية في آرائهم ودياناتهم.
فمنهم المقر الموحد لله سبحانه المصدق بالبعث والنشور كما هو معروف، ومنهم من أقر بوجود الله وأثبت حدوث العالم وآمن بالبعث والنشور ولكنه أنكر الرسل وعبد الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى.
ومنهم من آمن بالله وكذب بالرسل والبعث وذهب إلى قول الدهرية وهؤلاء الذين ذكرهم الله في كتابه في قولهم (وما يهلكنا إلا الدهر) ومنهم من قال بتناسخ الأرواح، وكان من العرب من مال إلى اليهودية والنصرانية.
وصنف من العرب عبد الملائكة وزعم أنهم بنات الله.
قسمهم على هذا النحو المسعودي في تاريخه.
وليس على حق من جعل العرب نوعا واحدا ومذهبا شاملا، ورغم قبول العرب لجميع الديانات بينهم، فإن رفضهم الإسلام كان لأسباب أخرى ليست من نتائج الجهل والبداوة، بل كان نوعا من الكبرياء المقيت الذي عاش عليه العرب، ونزعة سياسية ظهرت للحفاظ على المكتسبات القديمة في السيادة والقيادة والمكانة، إضافة إلى التعصب للخصوصية الدينية.
ونستطيع أن نقول إن تسييس الدين قضية ليست وليدة اليوم، وقد سكب عليها النبي صلى الله عليه وسلم ماء باردا حين قال: (ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن).
فالعرب لهم فهم وتفريق بين الحق والباطل، ولكن الله طبع على قلوب المشركين منهم لشدة المكابرة، وفي قصة عتبة بن ربيعة لما سمع القرآن خير دليل.
والعجيب أن المعاندين من العرب كانوا يجنحون إلى الفلسفة العقلية في نظرهم واعتبروا أن التوحيد والخوارق المعجزة والقرآن وأخبار السماء والملائكة والبعث والنشور خرافة وشعوذة ودجلا، رغم عبادتهم الأصنام وإيمان أكثرهم بوجود الله في تناقض يحتاج إلى تفكيك كما فعل القرآن.
والمخاطبات التي عرفت عن إبليس كانت كلها بأساليب دقيقة وخطيرة تحتاج إلى مقال مستقل ليتبين لنا أن الضلال ليس بالسطحية التي يتعامل معها الوعاظ، ولذلك نجد أنفسنا نحن المسلمين أقلية في عالم لا يؤمن بما نؤمن به وله السبق علينا في القوة والعلم والمادة والعدالة الاجتماعية، وإن كانت لنا اليد العليا في الوصول إلى الحق.
فالخطاب الإيماني يجب أن يراعي عدة أمور:

1ـ قراءة المخالف قراءة دقيقة تفصيلية فكريا ونفسيا واجتماعيا.
2ـ إفراز ما هو حق عما هو باطل في رأينا كي لا ننكر الحق الذي هو معه.
3ـ مواجهة الفكر بأسلوبه وطبيعته، فإن كان عاطفيا فبالعاطفة وإن كان فلسفيا فبالفلسفة الإيمانية، بمعنى التعمق في الحكمة الإيمانية في الخطاب واتخاذ المفردات المتعلقة به كوسيلة للحوار، وإن كان اجتماعيا فكذلك.
4ـ تفكيك الملابسات في الخطاب المضاد، وإظهار الأخطاء التي قام عليها في نظرته إلى ديننا.
5ـ حشد الدلائل المناسبة للمخاطب على حسب فكره وفلسفته وطبيعته وبيئته.